مقالات وآراء

الصحافة من صناعة التغيير.. إلى اقتصاديات التلميع

تمر على البلاد سنة بعد أخرى ذكرى العيد الدولي للصحافة، يتبادل الإعلاميون مشاعر التهنئة ورسائل الذكريات، وقصص العمل اليومي، وسيولا متعددة من النقد للواقع، وتبرما هائلا بسبب ضعف الدعم الرسمي، وتبدو هذه المناجاة واجبا سنويا لا انفكاك منه دون أن تنال الصحافة المستقلة الدور والمكانة التي تليق بها.

والأكيد أن الصحافة لم تعد مجرد أجيال، ولا مدارس، بل أصبحت أقرب إلى الأسواق والسوقية بما تحمله من مكررات الأخبار حتى التماهي في الأخطاء، ومن مجتر القضايا ومن بعد شديد عن الاحترافية والإنتاجية، فضلا عن الموضوعية.

تعاني الصحافة الموريتانية من تراجع هائل للقدرة التحريرية، ومن غياب شبه كامل للرأي، حيث غلبت الصبغة الإخبارية بمضمونها الأقل إبهارا، وغابت الروح التحليلية والتنويرية، وحلت مكانها الروح الاحتفالية، والترويجية.

وإذا كانت الصحافة قد توزعت قديما بين رايات أو أقلام أو منابر فكرية، فإنها اليوم قد توزعت في غالبها بين قوى مالية أو عرقية أو بين رموز نفوذ نفعية.

كما أن التناسل والتكاثر الميتوزي الهائل للمواقع والمنصات، حوًل الصحافة إلى فضاء غير قابل للتنظيم، خصوصا في ظل التداخل بين الإعلاميين والمؤثرين والمروجين وصعوبة التمييز بين المحتويات، نظرا للهبوط الدائم للمحتوى الإعلامي من أجل مواكبة حجم الصعود الصاروخي لمحتوى المؤثرين وهو محتوى بلا محتوى في الغالب الأعم.

وإلى جانب ذلك أصبح لكل قرية صغيرة صحيفة أو مدون أو إعلامي، بما يقتضيه ذلك من إسهام غريب في تفتيت المفتت واستنزاف الموجود من القيم الإعلامية.

لقد أسهم الإعلام أخيرا في احتضان كل “خوارق” الإجماع دينيا ومجتمعيا وسياسيا، وأسهم أكثر في تقديم وتلميع كثير من الذين يستحقون الإبعاد والانزواء في أقبية المجهولية، لأنهم لا يملكون خيرا يقدمونه للمجتمع..

وإضافة إلى ذلك فإن الروح التدميرية التي تتوجه إلى المجتمع عبر الدعاية العنصرية والفئوية وجدت في الإعلام ممرا سالكا إلى التخريب والإرهاب اللفظي والابتزاز السياسي، مانحين بذلك الحق والظلم ميزة لونية وفئوية، في تدمير حقيقي وغير مسبوق للقيم المنطقية وما ينبغي أن يكون من “البدهيات”.

ولكن كيف ينتظر من صحافة فقيرة جدا، عديمة الوسائل إلا أن يرتهن غالبيتها لهذه المسارات الصعبة، خصوصا مع فورة المال المجهول المصدر والثراء الغريب، والروح “الإثرائية” التي ظهرت على بعض أعمدة الصحافة وشخصياتها المرموقة التي لا يعرف لها مصدر دخل غير عرق اللسان..

يحتاج إعلامنا إلى مأسسة حقيقية وإلى روح تطويرية في قيمه وفي قدراته وفي أشخاصه، وهو أحوج إلى دعم حقيقي غير مشروط، وإلى إصلاح الصندوق المخصص للصحافة وإلى ابعاد هذ الصندوق عن العصبة التي تديره، لأن إدارتها محل الشك والريبة لدى الكثيرين..

الطريق إلى مأسسة الصحافة ليست سالكة ما دام التفتيت والتمييع رهانا سلطويا لا تريد به ثلة من النافذين إبقاء ما كان على ما هو عليه فقط، بل إبقاء النفوذ وحماية الواقع، والاستفادة من التأثير غير الإيجابي، وإلهاء المجتمع بصراعات تستنزف قوته الفكرية التي ينبغي أن تتوجه إلى ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، وتستنزف تماسكه المجتمعي، حتى يعيش كل طرف في توجس دائم من الآخر، وتستنزف رصيده القيمي لأنها صنعت له رموزا من ورق ملون، واخترعت له الألفاظ الكبير ليتلهى بها..

ينضاف الى ذلك أن نمط الإدارة السائد الآن في القطاع هو مسيرة القهقرى بدل التقدم وما ذلك إلا نتيجة حتمية لأحادية غير مسبوقة في تسيير القطاع وصلت حد إقامة انتخابات أحادية وهو ظرف لا يمكن أن ينتج احسن من التراجع الذي حصدته البلاد في التقويم السنوي المشكوك في صدقيته ومعياريته أصلا..

مر مايقارب السنتان على الوزير الحالي للثقافة دون أن تذكر الوزارة في خانة الإيجابية اللهم إذا استثنينا أنها تراجعت في التصنيف الدولي من الرتبة 33 من إلى الرتبة 61 وحلت في ذلك مكانا لم يكن حل من قبل.

يمكن فهم التراجع أو تفسيره ببساطة أن الوزارة لم تقم بواجبها بل انشغلت عنه بأمور لا علاقة لها بالمهنية.

اليوم يجزم كثيرون أن لا تجربة ناجحة يمكن للقطاع أن يفتخر بها، رغم الحيص والبيص ورفع الصوت واستخدام التمطيط وبطح الحروف، ليمر العيد وكأن شيئا لم يكن..

عيد بأية حال عدت يا عيد بما مضى أم لأمر فيك تجديد.

موقع الفكر الموريتاني

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى