ثقافة وأدب وفن

لإفــريقــتي وعـروبـتي- شعر ببهاء بديوه

شعر: بَبَّهاء ولد بديوه
لَقَدْ بَلَغَ المَدَى الأَسَفُ الَّذِي..
عَتَّقْتِهِ فِي غَوْرِكِ اللَّهَبِيِّ..
أَيَّتُهَا الفِجَاجُ السَّابِحَاتُ مَعَ الهَجِيرِ الرَّحْبِ
في الرَّمْلِ المُشَعْشَعِ بِالسَّرَابِ وَبِالحَنِينِ الرَّحْبِ..
قَدْ بَلَغَ المَدَى الأَسَفُ الذي عَتَّقْتِ..
قَدْ بَلَغَ المَدَى!
وانْسَلَّ مِنْ لَيْلِ الخَوَابِي نَبْعُ هَذَا الحُلْمِ..
مِن لَيْلِ الخَوَابِي المُظْلِمَاتِ..
مِنَ الدُّمُوعِ مِنَ الجَوَى..
مِنْ زَفْرِةِ الرُّوحِ التِي لَفَظَتْ..
عَلَى الأَرْضِ المُعَذَّبَةِ الحَزِينَةِ رُوحَهَا.
يَنْسَلُّ نَبْعُ الحُلْمِ مِنْ أَلَمِ التُّرَابِ..
سُلاَفَةً قَدْ صَفَّقَتْهَا الرِّيحُ في لَهَبِ القُرُونِ..
عَلَى امْتِدَادِكِ.. يارُبَى أَرْضٍ..

تُخَضِّبُهَا جِرَاحَاتُ القُرُونِ.
فُمُدَّ كَأْسَكَ أَيُّهَا الأَلَمُ الرَّفِيقُ!
وَصُبَّ فِي غَوْرِ الضَّنَى مِنْ نَبْعِ هَذَا الحُلْمِ !
وانْسَ لِلَحْظَةٍ شَجَنَ الطَّرِيقِ ذ!
وَكَيْفَ تَنْسَى .. كَيْفَ تَنْسَى؟
إنَّ أَصْدَاءَ الذِين سَقَوا غَلِيلَ الرَّملِ..
مَا زَالَ تْ تَثُوبُ إِلَيْكَ..
مَا زَالَ تْ تَثُوبُ مِنْ الثَّرَى..
مِنْ رَمْلِهَا الأَبَدِيِّ مَا زَالَ تْ تَثُوبُ إِلَيْكَ..
مِنْ لَيْلِ الشِّفَاهِ المُطْبَقَاتِ..
عَلَى دَفِينِ التَّوْقِ تَحْتَ الرَّمْلِ..
مَا زَالَ تْ تَثُوبُ إلَيْكِ..
هَلْ تَنْسَى الوُجُوهَ الذَابِلاَتِ مِنَ الأَسَى..
تَنْحَلُّ فِي سُدَمِ الغَيَاهِبِ فِي مِيَاهِ اللَّيْلِ ؟.
هَلْ تَنْسَى الجراحَ كَأَنَّهَا لُمَعُ السَّنَا الشَّفَقِيِّ؟.
هَلْ تَنْسَى اللَّيَالِي سُهْدَهَا المُخْضَلَّ بِالعَبَرَاتِ؟.
هَلْ تَنْسَى السَّبِيلَ وَقَدْ تَشَرَّبَ بِالنَّجِيعِ..
وَقَدْ تَشَرَّبَ مِنْ سَرَابِ الجُهْدِ؟
هَلْ تَنْسَى؟ !
كَأَنَّ أَنَامِلاً مَدَّتْ إلَيْكَ مِنَ الثَّرَى..
بِوَشَائِجِ الأَلَمِ التِي اغْتَزَلَتْ عَلَى الأَحْقَابِ مِلْءَ مَغَازِل الذكرى.
كَأَنَّ وَمِيضَ لألاَءِ الخَنَاجِرِ يَسْلُك الأَزْمَانَ مِنْ أَقْطَارِهَا..
لَيَمُدَّ أَحْشَائِي بِفَيْضِ نَشِيجِهِ المَجْرُوحِ..
بِالفَيْضِ الذِي سَكَبَتْهُ مِن آلامها وَجِرَاحِها..
مِنْ دَمْعِهَا وَسُهَادِهَا.
إنِّي أَمُدُّ إِلَيْكِ أَيَّـتُهَا الجِرَاحُ !
جِرَاحَ قَلْبِ نَازِفِ اللَّحَظَاتِ..
مِنْ أَسَفِي وَمِنْ حُلُمِي..
أَمُدُّ إلَيْكِ هَذِي الكَأْسَ..
مِمَّا قَطَّرَتْهُ مِنْ الحَنِينِ..
وَمِنْ جَوَى الألم الحسيرِ..
دِنَانُ هَذَا العُمْرِ..
أَسْكُبُهَا لِسَاهِرَة الجِرَاحِ..
حَنِينِهَا الظَّمْآنِ..
للحُلُمِ المُحَلإَّ..
أَيُّهَا الحُلُم الذي تَرْنُو إِلَيْكَ مِنَ النَّوَافِذِ !
أَيُّهَا الحُلُمُ الذي تَرْنُو إلَيْكَ عُيُونُهَا الوَلْهَى !
لِوَهْجِكَ.. إنَّنِي مِنْ أجْل وَهْجِكَ..
لِلظِّلالِ المُتْرَعَاتِ طَوَالِعًا مِنْ بَحْرِ وَهْجِكَ..
للذين هُمُ ارْتَوَتْ بِنَجِيعهِمْ سُهْبَانُكَ العَطْشَى..
لِلأْلاَءِ الحنِينِ المُسْتَهِلِّ مَعَ الدُّمُوعِ..
لِوَمْضَةِ الأَمَلِ الذِي مَا زَالَ يَلْمَعُ فِي دُجَى الألَمِ الفِلِسْطِينِيِّ..
لِلْجَسَدِ المُمَزَّقِ والدَّمِ المَنْثُورِ مِنْ جَسَدِ الجَزَائرِ..
لِلضَّنَى المُمْتَدِّ فِي الأبْعَادِ..
خَلْفَ عُيُونِ أطفال العِرَاقِ..
لِمُقْلَتَيْكِ تُرَقْرِقُ اللَّحَظَاتِ..
تَسْكُبُ فِي دُجَى الأغْوَارِ مِنْ أَسَفِي سُلاَفَتَهَا..
لإفْرِيقِيَّتِي وَعُرُوبَتِي..
لِعُرُوبَتِي أَبَدًا..
سَأَحْمِلُ صَمْتَ هَذَا الرَّمْلِ..
إنَّ الرَّمْلَ مُمْتَلِئٌ بِأَصْوَاتِ الَّذِينَ..
سَقَوْهُ مِنْ دَمِهِمْ وَدَمْعِهِمُ المُصَفَّقِ بَيْنَ أَقْدَاحِ القُرُونِ..
سَقَوْهُ من أُغْنِيَّة الشَّجنِ العَتِيقِ..
سَقَوْه آلامَ الطريقِ..
سَقَوْهُ مِنْ رُوحِ الرَّفِيقِ المُسْتَحِنِّ إلَى الرَّفِيقِ.

القاهرة 1996

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى