مقالات وآراء

قانون العالم الجديد … مركزية القرار وقتل المنافس عبر الأطراف

كان شعار الرئيس الأمريكي الحالي، الذي اعتمده في حملته الإنتخابية الأخيرة، موحيا بملامح كثيرة عما سيقوم به لا حقا وهو يجلس في مكتبه في البيت الأبيض:
“لنجعل أمريكا عظيمة مجددا”
فكيف سيجسد هذا الشعار في ظل تحديات كبيرة تواجه أمريكا داخليا وخارجيا

  • تحديات اقتصادية مع ميل الميزان التجاري لصالح دول وتجمعات منافسة عديدة على حساب بلده
  • هجرة الشركات الأمريكية للخارج بحثا عن يد عاملة رخيصة
  • الإنفاق الإجتماعي في الصحة حسب مبادرة Obama Care
    إلى غير ذلك من التحديات ….
    في مواجهة التحديات الاقتصادية كانت ( ردة فعل الرسوم المتصاعدة) ولكن بعض الدول واجهته بالمثل. ولو بخجل كما في أوروبا، ولو بصمت ولكن بحزم مثل الصين وكندا، لكنه في كل تقدير حقق بعض المكاسب..
    أما في مجال السياسة الدولية وحكامة العالم فقد واجهت الرئيس ( المهووس بالعظمة) إشكاليات من أهمها: نظام ( الأمم المتحدة)، فرغم أن أمريكا التي تحتضن مقر المنظمة وتتولي عبئا كبيرا من تمويلها، فإن فيتوها يظل مماثلا في قيمته لمثيله الفرنسي، كما أن سياستها المنحازة دون تحفظ ل”إسرائيل” والمتوسعة بالحروب خارج تفويض من المنظمة تجعل الأخيرة عامل عطالة لجعل أمريكا عظيمة مجددا..

في مواجهة هذه الحالة قرر ترامب، تحت التهديد. والترغيب والتوافق أحيانا مع المجرمين مثل نتنياهو، أن يخرج على كل أطر التقاضي الدولية مثل محكمة الجنايات الدولية وأن يظهر في نفس الوقت بمظهر من يطفيء بعض الحرائق الصغيرة في إفريقيا، ويقلب الرماد. علي مأساة غزة. حتى تخبو آخر جمرة فيها إبادة وتنكيلا..
كان هذا الدور الجديد للرئيس الأمريكي يتطلب إطارا قانونيا دوليا لتثبيته وإعطائه نوعا من الشرعية، لذلك تم إنشاء ( مجلس السلام) الذي أريد له ظاهريا حكم وتسيير غزة، ولكنه في الحقيقة إطار بديل عن الأمم المتحدة، هذه العصبة الترمبية لم تغر غالبية الأوربيين الذين فهموا المغزي منها، غير أن كل الزوائد الدودية من الدول العربية والإسلامية وحواشي آسيا وشرق أوروبا، استظلت بخيمة ترامب- نتنياهو.

في هذه المرحلة اكتملت المنظومة التمهيدية لتحقيق شعار الحملة ولكن عقبة أساسية ما زالت قائمة ألا وهي تحالف يكاد يتشكل ويتجذر بين مجموعة من الدول هي الصين وروسيا وإيران قد يغري بعض دول الحديقة الخلفية لأمريكا بالتعاون معه، كما فعلت السعودية بتوقيعها عقودا مع الصين وروسيا …
لقد أدرك الرئيس المغرور بقوته وخضوع قادة أوروبا وإمارات الشرق الأوسط لإملاءاته أن صراعا عسكريا مع الصين قادم لا محالة، وأن تفكيك المحور المذكور قبل أن يقوى ويشتد عوده هو أمر لا مفر منه.

لم تكن المواجهة المباشرة مع المحور المذكور ممكنة، لذلك تبنى ترامب، وبالتشاور مع نتنياهو، استراتيجية قتل المنافس عبر الأطراف:
تقوم هذه الإستراتيجية على محورين
الأول : إلهاء روسيا عبر الرد الزائف والوساطة غير النزيهة مع إرغام أوروبا على دعم أوكرانيا بنفس الزخم حالة محل أمريكا ومتكلفة بشراء السلاح الأمريكي لصالح كييف.
أما الثاني فهو ضرب الصين في الموضع الذي يؤلمها ألا وهو حرمانها من موارد الطاقة التي هي أساس تفوق اقتصادها المعتمد كليا على واردات النفط والمواد الأولية.

في سبيل هذا الهدف كان الإعتداء والاختطاف لرئيس فنزويلا، مع وقف إمدادات روسيا والصين من النفط الفنزويلي.
لنفس الهدف. يسعي ثنائي أمريكا “إسرائيل” لتدمير إيران وشل اقتصادها وصادراتها النفطية للصين.

لا بأس في هذه الحرب أن تحقق “إسرائيل” هدفها في تجريد دولة إسلامية دعمت كل حركات مقاومة عدوان الصهيونية واحتلالها، بدافع ديني وبعقدة الوعود التوراتية المحرفة ..
أما المحرك الأساسي لهذه الحرب. فهو (خنق الصين اقتصاديا)
وتدميرها تدريجيا عبر أطراف نفوذها ومصالحها وشرايين اقتصادها
فهل تحركت الصين ولو خفية لفك الحبل عن رقبتها؟
أم أن جعل أمريكا عظيمة مجددا ، لا بد أن يمر بهزيمة كل منافسيها واستعباد العالم؟
ذلك ما ستكشفه الشهور والسنوات القادمة.

د. أحمد باب عبد الجليل

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى