أخبار وطنية

زيارة غزواني لكوت ديفوار في الصحافة الإيفوارية: أبعد من مجرد زيارة بروتوكولية أو مجاملة

التواصل- نواكشوط : وفق ما نشرته الصحافة الإيفوارية اليوم، الثلاثاء 11 أغسطس 2026، عن زيارة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى أبيدجان ولقائه بالرئيس الحسن واتارا. والانطباع العام في التغطية الإيفوارية هو أن الزيارة أبعد من مجرد زيارة بروتوكولية أو مجاملة؛ فقد قُدمت باعتبارها تعبيرًا عن تقارب سياسي وثقة متبادلة بين نواكشوط وأبيدجان، خصوصًا في ظل التحولات الأمنية والسياسية في غرب إفريقيا.

وهكذا وضعت صحيفة KOACI، وهي من أبرز المواقع الإخبارية الإيفوارية، عنوانًا لافتًا: «واتارا والغزواني يرسخان تفاهمهما في مواجهة التحديات الإقليمية». وركزت على ثلاثة محاور أساسية: العلاقات الثنائية، آفاق التعاون، والتحديات التي تواجه المنطقة.

والأهم أن واتارا تحدث بعد اللقاء عن أن البلدين «متوافقان تمامًا» بشأن القضايا التي ناقشاها، وأنهما سيعملان بشكل وثيق للمضي قدمًا.

أما الغزواني فقدم الزيارة باعتبارها زيارة صداقة وأخوة، لكنه ربطها صراحة بالسياق الإقليمي، مؤكدًا أن العلاقات الموريتانية الإيفوارية تستند إلى التاريخ والثقة وتقارب وجهات النظر حول ملفات مهمة ومتعددة.

ومن خلال قراءة التغطية الإعلامية الإيفوارية، يمكن القول إن هناك ثلاث رسائل سياسية مهمة:

  1. أبيدجان تنظر إلى نواكشوط كشريك إقليمي موثوق
    في ظل تراجع قنوات التواصل بين دول الساحل وبعض دول غرب إفريقيا.
  2. الأمن الإقليمي حاضر بقوة، وإن لم تُعلن تفاصيل الملفات الأمنية.
    الصحافة الإيفوارية تكرر عبارة «التحديات والصعوبات التي تواجه المنطقة»، بينما الغزواني نفسه قال إن الظروف الإقليمية تجعل التشاور بين الدول أكثر ضرورة.
  3. هناك تقارب سياسي بين الرئيسين غزواني و واتارا يتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية، حيث وصف واتارا الغزواني بأنه «صديق وأخ»، ورد الغزواني بالحديث عن «الثقة» و«الأخوة»، وهو ليس مجرد لغة بروتوكولية في هذا السياق؛ فالصحافة الإيفوارية جعلت من هذه اللغة محورًا أساسيًا في تقديم اللقاء.

و اللافت في هذه الزيارة هو غياب الإعلان عن اتفاقيات اقتصادية كبيرة أو مشاريع محددة في التغطية الأولى، مقابل التركيز الشديد على التشاور السياسي والأوضاع الإقليمية، وهذا قد يكون مقصودًا: فالزيارة تبدو في مرحلتها الحالية أقرب إلى إعادة تثبيت محور سياسي وتشاور إقليمي بين نواكشوط وأبيدجان، أكثر منها زيارة لإبرام صفقات أو اتفاقيات، لذلك لم يصطحب الغزواني معه وزراء كعادته.

كما أن توقيتها مهم جدًا؛ فموريتانيا، بحكم موقعها، تحاول الحفاظ على علاقات متوازنة مع دول الساحل من جهة ودول غرب إفريقيا الساحلية من جهة أخرى، بينما تبحث كوت ديفوار عن شركاء موثوقين في مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة في محيطها.

وخلاصة القراءة الإيفوارية حتى الآن هي أن أبيدجان تنظر إلى زيارة الغزواني باعتبارها تأكيدًا على أن موريتانيا وكوت ديفوار أصبحتا تمتلكان مساحة واسعة من التفاهم السياسي والثقة المتبادلة، وأن هذا التقارب يمكن أن يتحول إلى تعاون أوسع لمواجهة التحديات الإقليمية.

أما تفاصيل الملفات التي ناقشها الرئيسان فلم تُنشر كاملة على مستوى الإعلام حتى الآن . بينما تقول التغطية الإيفوارية الأولى بوضوح إن «التحديات الإقليمية» كانت في صلب الحديث، لكنها لم تكشف بعد هل كان المقصود تحديدًا ملف الساحل، والإرهاب، وانسحاب دول الساحل من إيكواس، أو العلاقات مع السنغال ومالي، وطبيعة العلاقات القائمة مع تحالف دول الساحل، مالي وبوركينافاسو والنيجر .

وتاتي زيارة غزواني لكوت ديفوار بعد ايام قليلة من اعتقال 20 موريتانيا كانوا في طريقهم إلى بلدهم عائدين من كوت ديفوار عبر الاراضي المالية حيث تعرضوا للتعذيب والإهانة وتمت سرقة مقتنياتهم من طرف الجهات الامنية المالية، وهي حادثة تكررت عدة مرات حيث تعرض عديد الموريتانيين لحالات مشابهة.

وعند البحث في الصحافة الإيفوارية ومصادر التحليل الأمني والإقليمي، نجد أن الرسالة الأهم وراء لقاء الغزواني وواتارا لا تظهر في البيان البروتوكولي نفسه، وإنما في سياق التحركات التي سبقته خلال الأسابيع الأخيرة.

والأهم انه لا يوجد دليل منشور يثبت أن الرجلين اتفقا على مبادرة سرية محددة؛ ولكن تتابع التحركات والملفات يجعل هناك قراءة سياسية قوية يمكن بناؤها على النحو التالي:

  1. المفتاح الأول: موريتانيا أصبحت «جسرًا» بين إيكواس و تحالف دول الساحل الثلاثة AES وهذه هي النقطة الأكثر أهمية.

وفي يونيو الماضي، استقبل الغزواني في نواكشوط رئيس سيراليون جوليوس مادا بيو، بصفته رئيس الدورة الحالية لمؤتمر رؤساء دول وحكومات إيكواس، وناقشا تحديدًا الوضع الأمني في الساحل وغرب إفريقيا والتعاون بين موريتانيا وإيكواس.

واللافت أن الجانب الإيكواسي وصف موريتانيا بأنها «جسر بين المغرب العربي والساحل وغرب إفريقيا»، وأشاد بخبرتها في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود. كما طرح الغزواني فكرة عقد قمة إقليمية خاصة لمناقشة التهديدات الأمنية الجديدة.

بعد ذلك، تحركت نواكشوط باتجاه تحالف دول الساحل AES، بما فيها مالي، في محاولة لفتح قنوات اتصال بعد التوترات التي شهدتها العلاقات الموريتانية-المالية.

ومعنى ذلك أن الغزواني يتحرك في المساحة التي تفصل إيكواس عن تحالف دول AES، لا في صف أحدهما ضد الآخر.

وهذا يفسر كثيرًا أهمية لقائه بواتارا.

  1. لماذا واتارا تحديدا؟

هنا توجد الرسالة الأكثر حساسية، فالرئيس الإيفواري الحسن واتارا هو أحد أكثر القادة تمسكًا بفكرة إيكواس وبضرورة الحفاظ على وحدة المنظمة، لكنه في الوقت نفسه أصبح أكثر براغماتية تجاه تحالف دول الساحل AES، والدليل على ذلك هو أن أبيدجان دخلت في الأشهر الماضية في مسار اتصالات مع الوسطاء المكلفين بملف العلاقة بين إيكواس وAES.

بل إن الصحافة الإفريقية تحدثت صراحة عن تحول أبيدجان إلى «وسيط فعلي» في أزمة إيكواس وAES.
وهنا تظهر أهمية ولد الغزواني، إذ أن واتارا يحتاج إلى قناة تستطيع التحدث مع باماكو وواغادوغو ونيامي من دون أن تبدو وكأنها تمثل إيكواس، والرئيس الغزواني يمتلك هذه الخاصية.

  1. مالي تحديدًا هي الحلقة الأهم

إذ يمكن القول إن مالي كانت حاضرة بقوة في لقاء أبيدجان، حتى لو لم يعلن ذلك صراحة.
ففي يونيو، كان هناك تطور مهم جدًا، فقد أرسلت نواكشوط موفدًا إلى باماكو، واستقبل الرئيس المالي عاصيمي غويتا الموفد الذي حمل رسالة من الغزواني، في محاولة لإعادة فتح الحوار بعد أشهر من التوتر بين موريتانيا ومالي، خصوصًا على خلفية الحوادث الحدودية.
وفي الوقت نفسه كانت إيكواس تعمل على إعادة فتح قنوات الاتصال مع تحالف دول الساحل AES، وعينت الدبلوماسي الغيني المخضرم لانسانا كوياتي مفاوضًا رئيسيًا لهذا الملف.
إذن هناك مثلث:
نواكشوط ↔ باماكو
أبيدجان ↔ إيكواس
نواكشوط ↔ إيكواس
وهو ما يجعل الغزواني قادرًا على لعب دور حلقة الوصل غير الرسمية.

  1. وهناك عامل أمني أخطر وهو الخوف من انتقال نار الساحل جنوبًا، و هذا ربما هو البعد الأمني الحقيقي للزيارة. لأن مالي وبوركينافاسو والنيجر أصبحت مسرحًا لنشاط الجماعات المسلحة، وهناك خشية متزايدة من تمدد النشاط باتجاه الدول الساحلية في غرب إفريقيا، وهنا تصبح موريتانيا وكوت ديفوار طرفين متقابلين جغرافيًا مع المشكلة:
    موريتانيا تواجه الامتداد من جهة الساحل والصحراء.
    وكوت ديفوار تواجه خطر انتقال النشاط جنوبًا باتجاه خليج غينيا.
    وفي يونيو، عندما التقى الغزواني برئيس إيكواس، كان الإرهاب والجريمة المنظمة والتطرف العنيف والنزوح والتغير المناخي والأمن الغذائي كلها ضمن الملفات المطروحة.
    ولذلك فإن عبارة «التحديات الإقليمية» التي استخدمتها الصحافة الإيفوارية اليوم ليست عبارة بروتوكولية فارغة على الارجح.
  2. أين دور السنغال؟

تعتبر السنغال دولة مهمة جدًا لأنها تقع بين المعسكرين سياسيًا وجغرافيًا.
فداكار ليست عضوًا في AES، لكنها، بخلاف بعض مواقف إيكواس الأكثر تشددًا سابقًا، تتبنى مقاربة أكثر انفتاحًا تجاه الحوار مع دول الساحل.

وهناك بالفعل مسار إقليمي يجري فيه التشاور حول تقريب وجهات النظر بين إيكواس وAES، وكان الرئيس السنغالي بشيرو ديوماي فاي قد استقبل لانسانا كوياتي في مايو، قبل جولة الأخير في عواصم المنطقة، وهو ما يجعل هناك احتمالًا قويًا بأن تكون موريتانيا وكوت ديفوار تنظران إلى السنغال كطرف مساعد في هندسة التهدئة الإقليمية.

وهنا يصبح المشهد كالتالي:

موريتانيا – السنغال – كوت ديفوار
في مواجهة سؤال واحد وهو، كيف يمكن منع القطيعة بين إيكواس و وتحالف دول الساحل AES من التحول إلى قطيعة استراتيجية طويلة الأمد؟

  1. توقيت زيارة غزواني

إنها نقطة شديدة الأهمية، فالزيارة تأتي بعد ثلاث تطورات متتابعة:
أولًا: تحرك إيكواس نحو إعادة الاتصال بتحالف دول الساحل AES الناقم على الوجود الفرنسي وعلى حلفاء فرنسا وتعيين مفاوض خاص.

ثانيًا: تحرك موريتاني مباشر باتجاه مالي ودول التحالف الثلاث AES.

ثالثًا: مشاركة غزواني كضيف شرف في قمة إيكواس الأخيرة في يوليو، رغم أن موريتانيا ليست عضوًا في المنظمة منذ انسحابها عام 2000.
والسؤال المطروح هو لماذا تدعو إيكواس الرئيس الموريتاني إلى قمتها رغم أنه ليس عضوًا؟
اما الجواب الأقرب للمنطق فهو أنها ترى فيه شيئًا تحتاج إليه باعتباره شريكًا يستطيع الحديث مع الطرف الآخر.

  1. قراءة الرسالة الخفية:

إن الرسالة الأساسية التي حملها الغزواني إلى واتارا هي على الأرجح أن:

  • موريتانيا لا تريد أن تختار بين إيكواس و تحالف دول الساحل AES، وإنما تريد أن تساعد في منع تحول الخلاف بينهما إلى قطيعة استراتيجية، خصوصًا في المجال الأمني.

وفي المقابل، يبدو أن رسالة واتارا إلى الغزواني هي:
«نحن نحتاج إلى موريتانيا كقناة اتصال مع الساحل، لكن من دون أن تتحول هذه القناة إلى منصة ضد إيكواس.». وهذا يفسر اللغة الحذرة جدًا التي خرج بها الطرفان خلال الزيارة.

  1. ماذا عن التنسيق حول مالي؟

هناك ترجيح كبير لوجود تنسيق حول مالي، ولكن لا يمكن تقديمه كحقيقة مثبتة. فالقرائن الموجودة تجعل مالي هي الدولة الأكثر احتمالًا أن تكون في خلفية المحادثة بسبب مشاكل الحدود الموريتانية-المالية والتوترات الأمنية على هذه الحدود وحاجة مالي إلى منافذ تجارية ولوجستية. ورغبة الإيكواس في عدم خسارة مالي نهائيًا، وكذلك رغبة كوت ديفوار في منع انهيار المنظومة الإقليمية.

ومن هنا قد يكون الغزواني وواتارا يبحثان عن صيغة تسمح بإبقاء مالي داخل دائرة التواصل الإفريقي، بدل دفعها أكثر نحو العزلة والتحالف المغلق مع بقية دول تحالف الساحل AES.

  1. وهناك بعد اقتصادي لا ينبغي إغفاله، فالموضوع ليس أمنيًا فقط، لأن مالي دولة حبيسة، وتعتمد على الموانئ والممرات التجارية في دول غرب إفريقيا، بينما كوت ديفوار لديها ميناء أبيدجان، والسنغال لديها ميناء داكار، وموريتانيا لديها ميناء نواكشوط وميناء انواذيبو، وبالتالي فإن مستقبل العلاقة بين مالي وإيكواس ليس قضية عسكرية فقط؛ بل قضية طرق التجارة والطاقة والموانئ وحركة الأشخاص والبضائع.

وهنا تصبح موريتانيا طرفًا بالغ الأهمية، خصوصًا مع مشروع الربط والممرات الأطلسية الذي يجعل نواكشوط أكثر ارتباطًا بالاقتصاد الساحلي.

  1. الخلاصة الأهم:
    إذا جمعنا التحركات التي سبقت زيارة الغزواني، فمن الممكن ان نتحدث عن وجود مشروع دبلوماسي أوسع يتبلور تدريجيًا، حيث تريد نواكشوط أن تصبح مركز اتصال بين ثلاثة فضاءات، هي المغرب العربي وموريتانيا والساحل/ تحالف دول الساحل

وفي الاتجاه الآخر، هناك موريتانيا و السنغال وكوت ديفوار/إيكواس، وربما هناك حضور فرنسي من وراء الكواليس.

وهذه القراءة تنسجم تمامًا مع القراءة التي قدمها معهد تمبكتو Timbuktu Institute للتحركات الموريتانية الأخيرة، حيث رأى أن نواكشوط تسعى إلى لعب دور وساطة لإعادة الاستقرار إلى الساحل، وأن خطر انتقال الجماعات المسلحة وعدم الاستقرار عبر الحدود يجعل استمرار القطيعة الدبلوماسية أمرًا خطيرًا على موريتانيا نفسها.

لذلك، فزيارة الغزواني إلى واتارا ليست زيارة ثنائية بالمعنى الضيق بل هي أقرب إلى مشاورات حول هندسة الأمن والتوازنات الجديدة في غرب إفريقيا.

والأكثر إثارة للاهتمام أن الغزواني لا يدخل هذا المسار بصفته رئيس موريتانيا فقط، وإنما بصفته رئيسًا سابقًا للاتحاد الإفريقي وشخصية تحظى بقبول نسبي لدى كل من العواصم الساحلية وعواصم الساحل.

وهذه بالضبط هي الورقة التي قد تجعل نواكشوط وسيطًا محتملًا بين إيكواس وتحالف دول الساحل AES.

و لكن لا يوجد دليل حتى الآن على أن الرئيس الغزواني جاء إلى أبيدجان حاملاً «مبادرة موريتانية» مكتملة. بل الأرجح أنه جاء لاختبار مدى استعداد الرئيس واتارا للدخول في مسار تشاور ثلاثي أو أوسع: نواكشوط–أبيدجان–داكار، ويمكن أن يتطور لاحقًا باتجاه باماكو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى