مقالات وآراء

الأستاذ بوحبيني يكتب: نحن امنين گايسين؟

🔊استمع إلى الموضوعجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة الموضوع
استمع إلى الموضوع

إن سُبُل التنمية واضحة، وهي في متناولنا، شريطة ألا نفقد قيمنا في الطريق
احمد سالم بوحبيني

هناك ظواهر تبدو، في بدايتها، وكأنها لا تتجاوز مجرد سلوكيات فردية. فقد تبدو المجاملة المفرطة، والتصفيق الدائم، والسعي إلى التقرب من السلطة، مجرد مواقف انتهازية لا تترتب عليها آثار عميقة في طريقة عمل الدولة. لكن عندما تتحول هذه السلوكيات إلى منظومة، وعندما تصبح موضع مكافأة وتشجيع، ثم تترسخ تدريجياً داخل المؤسسات، فإن آثارها تصبح بالغة الخطورة. فهي تنتهي إلى تغيير القواعد غير المكتوبة التي تحكم المجتمع: فتتراجع الكفاءة أمام الولاء، والاستحقاق أمام القرب من السلطة، والحقيقة أمام المجاملة، والمسؤولية أمام الطاعة.

ومن ثم، فإن منظومة تقوم على التملق والولاء والمجاملة لا تقتصر آثارها على إضعاف الحوكمة، بل تمتد تدريجياً إلى الإدارة والاقتصاد والقضاء والمؤسسات والمهن، لتنتهي، مع مرور الوقت، إلى بلوغ القيم الأخلاقية للمجتمع نفسه. وعندما تترسخ هذه المنظومة بصورة مستدامة، فإنها تنتهي إلى التأثير في أهم مكونات التوازن والرقابة داخل المجتمع. فتضعف الإدارة عندما يتراجع معيار الاستحقاق والكفاءة أمام القرب والولاء الشخصي. كما يمكن للمنظمات النقابية والصحافة ومختلف المهن التي يفترض أن تسهم في النقاش والتنبيه والرقابة على العمل العام أن تتأثر هي الأخرى، عندما يصبح التصفيق والقرب من السلطة أكثر فائدة من الاستقلالية. ولا تسلم الحياة السياسية بدورها من هذا التدهور؛ إذ تجد الأحزاب صعوبة في تقديم مشاريع حقيقية للمجتمع، بينما قد ينحصر النقاش العام في قضايا مؤسسية أو سياسية تأخذ حجماً أكبر من اللازم، مثل الحوار أو مسألة المأمورية الثالثة، على حساب القضايا الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية والتنموية الكبرى التي يفترض أن تكون في صميم مستقبل البلاد. وهكذا، لا تضعف المؤسسات وحدها، بل تتأثر تدريجياً قدرة المجتمع ككل على إنتاج الفكر والنقد والتعدد وطرح البدائل.

وتؤدي هذه المنظومة أيضاً إلى انقلاب أعمق في العلاقة بين السلطة والمواطنين. ففي النظام الديمقراطي، من الطبيعي أن تسعى الحكومة إلى إقناع المواطنين بأنها تستجيب لانشغالاتهم، وأن تشرح سياساتها، وتقدم حساباً عن قراراتها، وتسعى إلى كسب ثقتهم وتأييدهم. لكن عندما تترسخ ثقافة التملق، يمكن أن تنقلب هذه العلاقة: فيصبح المواطنون هم الذين يسعون إلى إثبات ولائهم للسلطة. وتنتهي هذه الآلية إلى جرّ جزء كبير من المجتمع إلى داخلها. فهناك من يصفقون لأنهم يستفيدون من امتيازات، وهناك من يفعلون ذلك أملاً في الحصول على امتيازات جديدة أو استعادة امتيازات فقدوها، بينما يصفق آخرون خشية ما قد يترتب على صمتهم أو غيابهم من عواقب. أما الذين يرفضون هذه المنظومة، فإنهم يُدفعون تدريجياً إلى الصمت، ويُهمَّش حضورهم في المجال العام.

وهكذا تنتهي منظومة التملق، على نحو متناقض، إلى وضع الجميع داخل المنطق نفسه، خلف مظهر من مظاهر التأييد العام يخفي دوافع مختلفة ومتباينة، غالباً ما تكون بعيدة عن المصلحة العامة، بل قد تأتي أحياناً على حسابها.

غير أن الخطر الأعمق يظل أخلاقياً. فعندما تصبح هذه السلوكيات محركات عادية للعلاقة بالسلطة، فإنها تنتهي إلى تغيير المرجعيات الجماعية. فما كان في الماضي أمراً غير مقبول يصبح أمراً عادياً، وما كان يثير الاستنكار يصبح مألوفاً، وما كان ينبغي أن يثير الغضب لا يعود يثير أي رد فعل. وهكذا يصبح غير العادي عادياً، ويصبح الاستثناء عادة.

ويمكن للمجتمع أن يصحح سياسة، أو يصلح إدارة، أو يعدل قوانينه، أو يعزز مؤسساته، أو يعيد تنشيط اقتصاده. بل يستطيع، مع مرور الوقت وتوافر الإرادة، أن يعيد بناء ما أصابه الضعف. لكن عندما تتعرض قيمه للتغيير بصورة مستدامة، فإنه يمس ما هو على الأرجح الأصعب في إعادة البناء: أساسه الأخلاقي، ومرجعياته الجماعية، وتلك الثقة المتبادلة التي تتيح للمجتمع أن يحافظ على تماسكه.

ومع ذلك، وبعيداً عن هذه الصعوبات، تظل هناك قناعة راسخة: إن سُبُل التنمية واضحة، وهي في متناولنا، شريطة ألا نفقد قيمنا في الطريق.

23/09/2026

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى