الاقتصادأخبار وطنية

اتفاق الصيد الموريتاني الأوروبي.. مفاوضات اللحظة الأخيرة لإعادة رسم معادلة الشراكة

لا بد من العمل على خفض أسعار السمك في السوق الوطني

🔊استمع إلى الموضوعجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة الموضوع
استمع إلى الموضوع

نواكشوط – التواصل: تدخل موريتانيا والاتحاد الأوروبي مرحلة حاسمة من مفاوضاتهما بشأن البروتوكول التنفيذي الجديد للشراكة في مجال الصيد، قبل انتهاء البروتوكول الحالي في 14 نوفمبر المقبل، في وقت تكشف فيه الوثائق الأوروبية والتغطيات المتخصصة أن الخلاف لا يتعلق فقط بحجم الكميات المسموح للأسطول الأوروبي باصطيادها، وإنما بإعادة تحديد القيمة الاقتصادية والتنظيمية التي تحصل عليها موريتانيا مقابل إتاحة مواردها البحرية للأسطول الأوروبي.

ويتيح البروتوكول الحالي، الذي بدأ تطبيقه في نوفمبر 2021، لسفن من عشر دول أوروبية الوصول إلى المياه الموريتانية لصيد الروبيان والأسماك القاعية والتونة والأسماك السطحية الصغيرة، بسقف يصل إلى نحو 280 ألف طن سنوياً، مقابل مساهمة أوروبية تبلغ 60.8 مليون يورو سنوياً، بينها نحو 3.3 ملايين يورو سنوياً مخصصة لدعم سياسة الصيد والتنمية المستدامة في موريتانيا.
وتؤكد المفوضية الأوروبية أن البروتوكول ينتهي في 14 نوفمبر 2026، فيما يظل اتفاق الشراكة نفسه قائماً ويجدد تلقائياً.

بروكسل تريد اتفاقاً أكثر ارتباطاً بالاستخدام الفعلي

وتشير وثائق المفوضية الأوروبية إلى أن أحد أهم الدروس التي استخلصها الاتحاد من البروتوكول الحالي هو الفارق بين الكميات النظرية المتاحة والكميات التي يصطادها الأسطول الاوروبي فعلياً.

ولهذا تدفع بروكسل باتجاه ربط فرص الصيد الجديدة بالاستخدام الفعلي والمتوقع من جانب السفن الأوروبية، مع إمكانية تعديل المقابل المالي عندما تكون فرص الصيد المتاحة أكبر من حاجة الأسطول.

وكانت اتفاقية 2021 نفسها قد تضمنت آلية للمراجعة والتكيف مع مستوى الاستخدام الفعلي، في محاولة لتجنب دفع مقابل عن فرص صيد لا يستفيد منها الأسطول الأوروبي بالكامل.

وتشكل هذه النقطة مفارقة تفاوضية مهمة، فما تعتبره بروكسل سبباً لتقليص فرص الصيد الأوروبية يمكن لنواكشوط أن تستخدمه للمطالبة بإعادة تقييم القيمة الاقتصادية للوصول إلى الموارد الموريتانية، بحيث لا تقاس الشراكة فقط بالسقف النظري للكميات، وإنما بما تستخرجه السفن فعلياً وبالعائد الذي تحصل عليه موريتانيا من ذلك.

إسبانيا.. الطرف الأوروبي الأكثر استعجالاً

وتحتل إسبانيا موقعاً مركزياً في هذه المفاوضات، باعتبارها الدولة الأوروبية الأكثر ارتباطاً بالأسطول الذي يعمل في المياه الموريتانية، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد في الصحافة والقطاع الإسباني بمصير البروتوكول.

وتكشف التغطيات المتخصصة في قطاع الصيد عن قلق متزايد لدى أرباب السفن الإسبان من احتمال انتهاء البروتوكول دون اتفاق بديل في الوقت المناسب، خصوصاً أن أي اتفاق جديد سيحتاج، بعد التوصل إليه سياسياً، إلى استكمال الإجراءات القانونية والمؤسساتية الأوروبية قبل دخوله حيز التطبيق.

وتزداد أهمية هذا العامل بالنسبة لموريتانيا لأن الاتحاد الأوروبي نفسه يضع الاتفاق الموريتاني في موقع متقدم بين شراكات الصيد الخارجية، إذ تظهر بيانات المفوضية أن موريتانيا صاحبة أعلى مساهمة مالية سنوية بين بروتوكولات الشراكة النشطة المختلطة للاتحاد، بقيمة 60.8 مليون يورو.

الورقة الموريتانية الأولى: ضعف الاستغلال الأوروبي

وتملك نواكشوط في هذا السياق ورقة تفاوضية واضحة تتمثل في ضعف الاستغلال الفعلي لبعض فرص الصيد الأوروبية.

فإذا كانت بروكسل نفسها ترى أن فرص الصيد الحالية تفوق الاستخدام الحقيقي للأسطول، فإن موريتانيا تستطيع الدفع باتجاه عدم التعامل مع السقوف الاسمية الحالية باعتبارها حقاً مكتسباً للأسطول الأوروبي.

لكن هذه الورقة تحمل جانباً آخر، فالاتحاد يستطيع بدوره القول إن تقليص فرص الصيد يجب أن يؤدي إلى تقليص المقابل المالي. وبالتالي، فإن المعركة الحقيقية قد تنتقل من سؤال «كم ألف طن؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً وهو كم تبلغ قيمة كل طن يتم الوصول إليه فعلياً، وما الذي تحصل عليه موريتانيا مقابله؟

وهنا يمكن لنواكشوط أن تسعى إلى ربط أي تخفيض في الكميات الأوروبية بحزمة تعويضات أو التزامات أخرى، تشمل التشغيل والتكوين والإنزال والتصنيع والاستثمار والبحث العلمي.

الموارد أولاً.. ثم الوصول إليها

وتستند السياسة الأوروبية نفسها إلى مبدأ أن سفن الاتحاد لا ينبغي أن تستغل سوى فائض الموارد، وبناءً على أفضل المعطيات العلمية. كما تنص منظومة الشراكات المستدامة الأوروبية على التعاون العلمي والرقابة وإدارة الموارد وحماية البيئة.

وهذا يتيح لموريتانيا هامشاً مهماً لتثبيت مبدأ أولوية استدامة مخزوناتها ومصالح أسطولها الوطني والصيد التقليدي، دون أن تظهر في موقع الطرف الذي يعرقل الشراكة.

كما أن البروتوكول الحالي يستبعد أصلاً رأسيات الأرجل من فرص الصيد الأوروبية، ما يعني أن حماية بعض الموارد وإبقائها خارج نطاق الاستغلال الأوروبي ليست سابقة تفاوضية جديدة.

من «المقابل المالي» إلى «العائد الاقتصادي»

وتبدو المسألة المالية واحدة من أكثر الملفات حساسية في الجولة الحالية.

فالمساهمة الأوروبية الحالية تبلغ 60.8 مليون يورو سنوياً، بينما يدفع مالكو السفن أيضاً رسوماً مرتبطة بالكميات والتراخيص بحسب الفئات. وتختلف هذه الرسوم بصورة كبيرة من فئة إلى أخرى، ما يجعل إعادة ترتيب العلاقة المالية أمراً أكثر تعقيداً من مجرد رفع أو خفض المساهمة السنوية.

ومن هنا قد تكون أمام نواكشوط فرصة لإعادة صياغة المطلب الاقتصادي على أساس أوسع، إذ ليس المطلوب بالضرورة زيادة رقم المقابل المالي وحده، وإنما رفع العائد الإجمالي الذي تحصل عليه موريتانيا من الموارد التي يستغلها الأسطول الأوروبي.

ويمكن أن يدخل في ذلك تشغيل البحارة الموريتانيين، والتكوين، وإنزال كميات أكبر من الأسماك، وتطوير وحدات التصنيع، وتحسين التخزين والخدمات المينائية، وتمويل البحث العلمي والرقابة، وربط الدعم الأوروبي بمشاريع واضحة ومواعيد تنفيذ محددة.

مشكلة الدعم القطاعي

وتكشف التجربة السابقة أن الأموال المخصصة لدعم قطاع الصيد لا تعني تلقائياً تحقيق الأهداف المعلنة.

فالاتفاق الحالي يخصص 16.5 مليون يورو طوال فترة البروتوكول لدعم السياسة الوطنية للصيد، بما يشمل الصيد التقليدي، والمراقبة، ومكافحة الصيد غير القانوني، والبحث العلمي وحماية النظم البيئية.

وبالتالي يمكن أن يكون أحد مطالب موريتانيا في البروتوكول الجديد هو الانتقال من الدعم المالي العام إلى التزامات محددة قابلة للقياس، مع جداول زمنية للصرف والتنفيذ وآليات متابعة مشتركة، بحيث لا تتحول المساعدات القطاعية إلى عنصر منفصل عن القيمة التي تحصل عليها موريتانيا مقابل فتح مياهها أمام الأسطول الأوروبي.

ماذا تقول الصحافة والقطاع الأوروبي؟

وتعكس الصحافة المتخصصة في الصيد الأوروبي، ولاسيما الإسبانية، موقفاً مزدوجاً، فهي تضغط من أجل استمرار وصول الأسطول إلى المياه الموريتانية، لكنها في الوقت نفسه تنقل اعتراضات المهنيين على بعض القيود والإجراءات المرتبطة بالمصائد والمواسم وشروط الاستغلال.

ويظهر من خطاب قطاع الصيد الإسباني أن الأولوية هي الحفاظ على إطار مستقر وقابل للتنبؤ يسمح للشركات بالتخطيط والاستثمار، وهو ما يمنح موريتانيا ورقة تفاوضية مقابلة، فإذا كانت القدرة على التنبؤ مهمة للمستثمر الأوروبي، فإن استقرار الشراكة بالنسبة لنواكشوط يجب أن يقابله أيضاً استقرار في العائد الاقتصادي والتشغيل والقيمة المضافة المحلية.

كما يضغط القطاع الأوروبي باتجاه عدم منح الأساطيل غير الأوروبية شروطاً يعتبرها أكثر ملاءمة من تلك المفروضة على السفن الأوروبية.
ومن هنا يمكن لموريتانيا استخدام مبدأ تكافؤ الشروط، بدلاً من الدخول في مواجهة مباشرة مع هذا المطلب، فما دامت أوروبا تريد منافسة عادلة، فإن نواكشوط تستطيع المطالبة بأن تكون جميع الأساطيل الأجنبية خاضعة لقواعد واضحة ومتقاربة في مجالات الرسوم والرقابة والإنزال والبيئة والتشغيل.

هل تملك موريتانيا بديلاً عن أوروبا؟

لا يبدو من الدقة القول إن موريتانيا تستطيع ببساطة استبدال الأسطول الأوروبي بأساطيل أخرى إذا فشلت المفاوضات.

لكن وجود اهتمام دولي بالمصائد الموريتانية، وتعدد الأساطيل الأجنبية العاملة في المنطقة، يمكن أن يمنح نواكشوط هامشاً تفاوضياً محتملاً، خصوصاً إذا استخدم باعتباره عنصر مقارنة في شروط الاستثمار والعائد، لا باعتباره تهديداً فورياً بإلغاء الشراكة الأوروبية.

وهذه نقطة مهمة؛ فالمفاوض الموريتاني سيكون أقوى إذا قال إن الوصول إلى الموارد الموريتانية ليس حكراً على طرف واحد، من دون أن يبالغ في الحديث عن بدائل لم تتضح شروطها بصورة علنية.

العقدة الحقيقية: الوقت

ومع اقتراب موعد 14 نوفمبر، يصبح الزمن نفسه جزءاً من المفاوضات.

فالاتفاق السياسي بين الطرفين لا يعني بالضرورة أن السفن الأوروبية ستتمكن من مواصلة نشاطها في اليوم التالي مباشرة، إذ يتعين استكمال الإجراءات الأوروبية اللازمة لاعتماد البروتوكول الجديد، ما يجعل التأخر في التوصل إلى صيغة نهائية يحمل تكلفة على الأسطول الأوروبي.

وفي المقابل، لا يعني انتهاء البروتوكول أن موريتانيا ستخسر شريكها الأوروبي أو أن العلاقة ستنهار. فالاتفاق الإطاري نفسه قائم، والمفاوضات الحالية تتعلق أساساً بالبروتوكول التنفيذي الذي ينظم الوصول إلى المصائد وشروطه.
وتوضح المفوضية الأوروبية أن الدول التي لديها اتفاقيات «نائمة» من دون بروتوكول نافذ لا تستطيع سفن الاتحاد فيها ممارسة الصيد.

اتفاق جديد.. ولكن بأي ثمن؟

وتشير المعطيات المتاحة إلى أن احتمال التوصل إلى اتفاق جديد لا يزال مرتفعاً من الناحية السياسية، لأن مصالح الطرفين تتقاطع في استمرار الشراكة.

لكن الوصول إلى الاتفاق قبل نوفمبر يتوقف على قدرة المفاوضين على تجاوز ثلاث عقد رئيسية وهي حجم فرص الصيد الجديدة، والمقابل المالي وآلية احتسابه، ثم الشروط التي تريد موريتانيا إضافتها لضمان عائد اقتصادي ومحلي أكبر.

وبالنسبة لبروكسل، فإن الاتفاق الجديد المرجح لن يكون نسخة طبق الأصل من بروتوكول 2021، بل أقرب إلى صيغة تربط فرص الصيد بالاستخدام الفعلي وتمنح الاتحاد مرونة أكبر في تعديل المقابل المالي.

أما بالنسبة لنواكشوط، فإن التحدي يتمثل في تحويل هذه الرغبة الأوروبية إلى فرصة لإعادة بناء المعادلة المتمثلة في موارد موريتانية مستدامة، ووصول أوروبي منظم، مقابل عائد اقتصادي موريتاني أكبر وأكثر قابلية للقياس.

وبذلك قد لا يكون السؤال النهائي في هذه المفاوضات هو «كم سيدفع الاتحاد الأوروبي مقابل الصيد؟»، بل «ما هي القيمة الحقيقية التي تحصل عليها موريتانيا مقابل كل فرصة تمنحها للأسطول الأوروبي؟»، وهل ستشترط موريتانيا إبقاء نسبة مئوية من كمية الصيد لفائدة السوق الموريتاني حتى تتراجع أسعار السمك محليا؟

وهذه هي النقطة التي يمكن أن تحدد شكل الشراكة خلال السنوات المقبلة، أكثر من أي زيادة أو خفض محدود في أرقام الكميات أو التعويضات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى