العاشر يوليو على ألسنة الشعراء / النجاح بنت محمذ فال

“انفرد الفرنسيون بالنفوذ علي المناطق الموريتانية سنة 1857م حين تنازلت انجلترا عن حق التبادل على السواحل الموريتانية المنصوص عليه في اتفاقية باريس 1763 م واستقر بهم المطاف كمستعمر وحيد ! حيث أعطوا البلاد الإسم الذي تعرف به حاليا موريتانيا، وذلك بقرار فرنسي 27/12/1899 “
وبعد تنامي حركات التحرر العربية والإفريقية ابتداء من خطاب التحرر الذي أطلقه الراحل جمال عبد الناصر إلى غيره، نالت موريتانيا استقلالها 1960 في ظروف أهم ما يميزها غياب المطلب الشعبي بدولة عصرية …
غير أنها ما إن حاولت الخروج من الحضن الفرنسي بإنشاء عملة وطنية وتأميم المناجم ودخول جامعة الدول العربية حتى اعتبرت فرنسا ذلك عقوقا وأطاحت بالحكومة المدنية سنة 1978 في انقلاب أبيض قاده في نسخته الأولى المقدم المصطفى ولد محمد السالك، وفي نسخ أخرى غيره. إلا أن النسخة المحبذة عند فرنسا هي التي كانت برئاسة المقدم محمد خونا ولد هيدالة ..الذي أطاح به رئيس وزرائه العقيد معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع 1984 في انقلاب أبيض.
يمكن إذن اعتبار الشعر في هذه الفترة نموذجا لأدب العاشر يوليو وكل نسخة لها لاقِط “كل وليلاه “
لقد كانت الساحة تغلي نتيجة لزيارة السادات ل”إسرائيل” والإعلان عن اتفاقيات كامب ديفد … ولذلك هلل الشعراء التحرريون خاصة للنسخة الأولى وتباروا في الإطراء، فاستبشر الشاعر كابر هاشم به ورآه فجرا :
تموز ها أقبلت كهلان مجفلة
فانظر.. تر الفجر في أعلى قلانسها
كهلان ها أقبلت تحمي مرابعها
تسطر الضاد نورا في قراطسها
تصارع الليل في بيداء مقفرة
وتزرع النور في ظلْما حَنادسها
وساد نفس الانطباع لدى فاضل أمين فاعتبر أصحاب الانقلاب جيشا من النور:
لملم شتاتك يا شعبي ترى العجبا
إن الزمان الذي تبغي قد اقتربا
جيش من النور في الآفاق مطلع
وجحفل من جراد الكفر قد غربا
والنار لاهبة الأنفاس موقدة
تشوي السمومُ عليها الحقد والغضبا
جيش يدك حصون الظلم مقصده
ويسحق الكفر حتى يستحيل هبا
ومع النسخة الثانية بقيادة محمد خونا ولد هيدالة تبدد النور الذي رآه الشاعر فاضل أمين وانقلب فجر كابر هاشم ظلاما فقال وهو مطارد في مخافر الشرطة ثم إلى المنفى الذي استشهد فيه بالسنغال 1982:
إسمع أخي سأقص عما قد جرى
طرق اللصوص بيوتنا غِبّ الكرى
كان المؤذن يا أخي يدعو الورى
الله أكبر فالصباح قد أسفرا
لكنّهم كانوا هناك بجيشهم
وكلابهم تعوي وتنبش في الثرى
جاءوا كعاصفة الجراد من المدى
تجتاح في الظلمات نبتاً أخضرا
هتكوا البيوت بخيلهم وبرَجلهم
واستجوبوا حتى الشقيق الأصغرا
حتى دمى الأطفال، حتى مصحفي
ظن الكلاب به سلاحاً مُشْهرا
ما أعجب الجبار يملك عسكرا
لكنه يخشى التراب الأغبرا
في أحرف الكلمات يسمع نعيه
فيخالُ في الحداثِ موتا أحمرا
لقد استحال جيش النور الذي كان موضوع احتفاء في قصيدة فاضل أمين الأولى إلى جراد ماحق :
جاءوا كعاصفة الجراد من المدى
تجتاح في الظلمات نبتاً أخضرا
وما نلبث ان يحل الفجر الذي وصفه كابر هاشم عتمة تنتابها ظلمات السجون
كابر هاشم واصفا المحققين وهو في السجن:
إخسأ.. جبان.. حقير لن تخدعنا
ستمضغ البرد في السرداب، في النفق
أين الرقيب العتيد البطش ينبئه
شراسة السوط والكرباج والنزق
حاضر؟.. جلاوزة مقنعون غدت
وجوههم من زجاج خشية الحنق
أواه يا فارس البلقاء تعصرنا
شهب السنين وريح اليأس والقلق
جرد حسامك؟ لا حق يصان إذا
لم يفتدى الحق بالأرماح والحلق
هنا.. هنا.. هاهنا باقون مأسدة
تحمى العروبة والإسلام بالحدق
وحين يواجه كابر القمع بالثبات بكل الآليات (نبتننا مأسدة …)، فإن فاضل أمين استبسل وتوعد:
يا جاحدا للبعث يكفر سعيه
أقصرْ وحسبك أن تكفَّ وتقصرا
ليس الطلائع من عهدتَ قتالهم
بالقفرِ يشوون الجرادَ الأصفرا
كم من عدوٍّ للعروبة حاقدٍ
نصبوا له يوما أغرَّ مشهرا
لولا نضال البعث واستبسالهُ
ما كنتَ جئت ولا علوت المنبرا
فإذا وفيت فإنها لغريبةٌ
وإذا غدرتَ فشيمة أن تغدرا.







