المنشآت النووية الإيرانية تحت القصف.. هل تحولت وكالة الطاقة الذرية لـ”شريك” في العدوان

دخل العدوان الأميركي الصهيوني على إيران منعطفاً ميدانياً وسياسياً بالغ الخطورة، مع اتساع دائرة الاستهداف لتطال منشآت نووية ومراكز بحثية خاضعة للرقابة الدولية، ما يضع الأمن النووي الإقليمي في دائرة الخطر المباشر.
هذا التصعيد الممنهج أعاد تسليط الضوء على الدور الإشكالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي يُواجه أداؤها اتهامات إيرانية ودولية متزايدة بالتواطؤ وتسييس الملف التقني خاصة مع التزامها “صمتاً مثيراً للجدل” حيال استهداف منشآت مدنية وبنية تحتية إيرانية.
وبينما تُستخدم تقارير الوكالة كمنصات للضغط السياسي، يرى مراقبون أنّ غياب الإدانة الأممية للعدوان يمنح المعتدي غطاءً لمواصلة انتهاكاته، في تكرار لسيناريوهات سابقة استُخدمت فيها المنظمات الدولية كواجهة لتبرير الحروب كما حصل في العدوان الأميركي الصهيوني في يونيو 2025 على إيران.
وبالتالي فإنّ وضع المنشآت النووية تحت النار يضع صدقية الوكالة ومديرها العام أمام اختبار حقيقي، وسط تساؤلات مُلّحة حول قدرتها على حماية المواثيق الدولية بعيداً عن الإملاءات الغربية.
في وقتٍ تشتعل فيه الجغرافيا الإيرانية بلهيب العدوان الأميركي الصهيوني ، تبرز “المفارقة الأخلاقية والقانونية” في أداء الوكالة الدولية للطاقة الذرية كعنوانٍ عريض للفشل الأممي. فبينما تسارع الوكالة ومديرها رافائيل غروسي إلى إصدار “بيانات القلق” والتحذير عند كل نشاط تقني إيراني سلمي، تلوذ اليوم بصمتٍ مطبق وصفته منظمة الطاقة الذرية الايرانية بأنّه “ليس مجرّد تقاعس، بل تواطؤ واضح مع المجرمين”.
ميدانياً، لم تسلم المراكز النووية في بوشهر ونطنز وأصفهان من الاعتداءات المتكررة، حيث تعرّضت محطة بوشهر وحدها لأربع هجمات مباشرة، في انتهاك صارخ للمبادئ والقواعد الدولية وقرارات مجلس الأمن التي تحظر استهداف المنشآت النووية.
وبالرغم من تأكيدات المتحدث باسم المنظمة الإيرانية بهروز كمالوندي عدم تسجيل أي تسرب إشعاعي أو تلوث في منشآت نطنز وأردكان حتى الآن، إلا أنّ طهران بعثت بـ 12 رسالة احتجاج إلى الوكالة، محذرةً من أنّ الحد الأدنى المطلوب من غروسي هو الدعوة لاجتماع طارئ لمجلس الحكام، وهو ما لم يحدث، ليعكس لغةً “غير مهنية وانحيازاً كاملاً” للسياسات الغربية.
وأعاد هذا المشهد فتح ملف “ازدواجية المعايير” الدولية، إذ ذكّر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي بحالة “الغضب العالمي” التي قامت ولم تقعد عند اقتراب العمليات العسكرية من محطة زاباروجيا في أوكرانيا، بينما يقابل استهداف بوشهر اليوم ببرودٍ دولي مريب. وتزداد خطورة هذا الصمت بالنظر إلى أن أي تسرب إشعاعي محتمل نتيجة هذه المغامرات العسكرية لن يهدد طهران فحسب، بل سينهي سبل الحياة في عواصم الخليج كافة، وهو ما وضع دول المنطقة أمام تحذيرات إيرانية مباشرة من تداعيات استمرار الصمت.
اللافت في هذا التوقيت، أنّ العدوان يأتي في لحظة كانت تشهد تقدماً في المسار التفاوضي بوساطة عمانية، ليكون هذا الانقلاب الأميركي الصهيوني الثاني من نوعه على طاولة الدبلوماسية بعد تجربة حزيران/يونيو 2025.
ويرى محللون أنّ استهداف المنشآت البتروكيماوية والنووية في آن واحد يكشف الأهداف الحقيقية للعدوان، ويضع الوكالة الدولية أمام “تقصير تاريخي”، سيجهز على ما تبقى من مصداقيتها كجهة فنية يجب أن تكون محايدة، ليحولها في نظر المجتمع الدولي إلى شريك صامت في شرعنة استهداف الأمن النووي.
لم يعد خافياً أنّ التقارير الدورية للوكالة الدولية للطاقة الذرية قد انزاحت عن طابعها التقني المفترض، لتتحول إلى “منصّات استهداف” تخدم الأجندات الأميركية والصهيونية في مشاريعها. فبينما تتجاهل الوكالة الأدلّة والوثائق التي تقدّمها طهران حول سلمية برنامجها وتعاونها المستمر، تعتمد في المقابل “الروايات الغربية” والمعلومات الاستخباراتية المسرّبة كحقائق غير قابلة للنقاش.
هذا الانحياز الممنهج يجعل من المنظمة الأممية “شريكاً غير مباشر” في تبرير العدوان، إذ توفر الغطاء القانوني والسياسي للاعتداءات التي تطال المنشآت الإيرانية، ما يحوّل الوكالة من جهة رقابية إلى “أداة وظيفية” ضمن استراتيجية “الضغط الأقصى” ضد إيران.
التقرير السري الذي أشعل فتيل العدوان ضد إيران في مطلع حزيران/يونيو 2025، زعمت الوكالة فيه أنّ طهران سرّعت وتيرة إنتاج اليورانيوم العالي التخصيب بنسبة 60%، وهي النسبة القريبة من مستوى 90% المطلوب للاستخدام العسكري.
وأوضح التقرير المزعوم أنّ المخزون بلغ 408.6 كلغ حتى منتصف مايو 2025، بزيادةٍ قدرها 133.8 كلغ خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة. وادعت الوكالة أنّ كمية اليورانيوم المخصب الإجمالية باتت تتجاوز 45 مرّة الحد المسموح به بموجب اتفاق عام 2015، لتصل إلى 9247.6 كلغ، واصفةً هذه الزيادة بـ “المخاوف الكبرى”.
وفيما وصف المدير العام للوكالة غروسي التقرير بـ”المحايد” والمتحقق منه، ردّت طهران عبر وزارة خارجيتها باتهام غروسي بـ “التواطؤ والتستر على الحقيقة” عبر تقرير “منحاز”، مؤكدةً أنّ كافة أنشطتها تحت مراقبة الكاميرات ولا تتجاوز الحدود الدولية المتفق عليها.
وعقب اندلاع المواجهة المباشرة بين “إسرائيل” وإيران على خلفية تقرير غروسي المزعوم في الحرب التي استمرت 12 يوماً في 2025، ومع ظهور الإثباتات الميدانية التي أبطلت مزاعمه، بدأ غروسي بتبديل نبرته في تصريحاته الصحفية، إذ ألمح بشكلٍ مفاجئ إلى أن إيران “لم تكن تملك سلاحاً نووياً عند صدور التقرير”، لكنّه ادعى تملكها لعناصر تمكنها من ذلك مستقبلاً.
وعلى الرغم من الدور التحريضي الذي لعبته الوكالة الدولية للطاقة الذرية عبر تقاريرها المضللة التي أشعلت فتيل الحرب ضد إيران، عادت طهران لتبدي مرونة دبلوماسية بوقيع اتفاق القاهرة مع المنظمة الدولية في سبتمبر 2025، وهو الاتفاق الذي وصفه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الشهيد علي لاريجاني، بأنّه استجابة لضرورة وضع ترتيبات خاصة للتعاون عقب استهداف المنشآت النووية.
ولكن هذا الاتفاق لم يصمد إلا قليلاً إذ أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي رسمياً في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 أنه ألغي بعد الإجراء غير القانوني لدول الترويكا الاروبية الثلاث في مجلس الأمن، لإعادة فرض قرارات مجلس الأمن الملغاة” ضد إيران.
اليوم، ومع استمرار العدوان الأميركي الصهيوني غير القانوني على إيران تستحضر الذاكرة الجمعية “بروتوكول التواطؤ” الذي سبق الغزو الأميركي للعراق عام 2003. ففي ذلك الحين، استُخدمت تقارير المفتشين والوكالة الدولية كذريعة لتدمير بلد بأكمله بناءً على “أكاذيب” ثبت بطلانها لاحقاً ولكن بعد تدمير بلدٍ بأكمله
الميادين نت







