هل تنجرّ موريتانيا إلى مستنقع مالي؟

بقلم أحمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي
ليست المشكلة في وجود تهديدات على الحدود، فذلك معطى لا خلاف عليه، بل في الطريقة التي يُعاد بها تسويق هذه التهديدات داخل بعض الخطابات المحلية، وكأن الطريق الأقصر—والأكثر جاذبية إعلاميًا—هو الذهاب مباشرة إلى خيار المواجهة العسكرية.
ما يثير القلق حقًا ليس حجم الخطر، بل ضحالة بعض القراءات التي تُقدَّم حوله. فثمة نخب، أو من يقدّمون أنفسهم كذلك، تتعامل مع مشهد بالغ التعقيد بمنطق اختزالي: عدو واضح، ورد حاسم، ونهاية سريعة.
هذا النوع من التفكير لا يعكس حزمًا بقدر ما يكشف عن عجز في فهم طبيعة الصراعات الحديثة.
مالي اليوم ليست دولة على حافة أزمة فحسب، بل نموذج لتشابك أمني وسياسي يصعب تفكيكه بأدوات تقليدية. ومن المفارقة أن من يدعون إلى الانخراط العسكري يتجاهلون حقيقة أساسية: أن السلطة المالية نفسها لم تتمكن بعد من فرض سيطرة كاملة على أراضيها، رغم أنها الطرف الأكثر دراية بتفاصيل المشهد.
فكيف يُقدَّم، إذن، خيار التدخل الخارجي وكأنه عملية محسوبة النتائج؟
الأخطر من ذلك، أن خطاب التصعيد يُسوَّق أحيانًا باعتباره تعبيرًا عن “الهيبة” أو “السيادة”، في حين أن التجارب القريبة تُظهر أن الانخراط غير المحسوب في نزاعات مشابهة غالبًا ما ينتهي إلى نتائج عكسية: استنزاف مفتوح، وتوسع في التهديدات، وتآكل في القدرة على التحكم في المسار.
إن تحويل القضايا الأمنية إلى مادة للمزايدة الخطابية لا يخدم سوى خلق ضغط وهمي على صانع القرار، وكأن التريث ضعف، وكأن التعقّل تردد.
وهنا تحديدًا، يتحول بعض الخطاب النخبوي من عنصر إسناد للدولة إلى عبء عليها.
في المقابل، لا يعني هذا التقليل من خطورة الوضع على الحدود. بل على العكس، التعامل الجاد مع هذه التحديات يقتضي الخروج من منطق الشعارات إلى منطق الأدوات.
تعزيز الجاهزية الدفاعية، تكثيف العمل الاستخباراتي، وتوسيع قنوات التنسيق الإقليمي، كلها خيارات أكثر كلفة على مستوى الجهد، لكنها أقل كلفة على مستوى المخاطر.
كما أن تكثيف الدوريات العسكرية على الحدود ليس استعراضًا للقوة، بل تثبيت لها في موقعها الطبيعي: داخل الحدود، لا خارجها.
أما المقاربة التي تعتمدها الدولة—القائمة على الحذر المدروس والتواصل المفتوح—فقد تبدو، في نظر البعض، أقل صخبًا، لكنها أكثر انسجامًا مع منطق إدارة المخاطر. فالدول لا تُقاس بمدى اندفاعها نحو الأزمات، بل بقدرتها على تجنبها أو احتوائها.
ومن الزوايا التي يغفلها خطاب التصعيد، مسألة السكان في المناطق الحدودية. فهؤلاء ليسوا مجرد تفاصيل هامشية، بل جزء من معادلة الأمن نفسها.
إن تركهم في تماس مباشر مع بؤر التوتر دون تنظيم مدروس، ثم الحديث عن “الحسم العسكري”، يكشف تناقضًا صارخًا في ترتيب الأولويات.
في النهاية، لا يبدو أن الخطر الأكبر يكمن في ما يحدث في مالي بقدر ما يكمن في بعض القراءات المحلية له.
فالتصعيد، حين يُطرح كخيار سهل، لا يكون تعبيرًا عن قوة، بل عن استعجال في البحث عن حلول سريعة لمشكلات معقدة.
أما الدولة التي تدرك وزن قراراتها، فهي تلك التي تقاوم إغراء الخطاب المرتفع، وتختار—عن وعي—مسارًا أقل ضجيجًا وأكثر أمانًا، حتى وإن كان أقل شعبية في لحظة مشحونة.







