م خير الدين حسيب : الوحدة الوطنية خارج منطق الابتزاز

الاستاذ محمد عبد الله ولد الطالب/ اطار اداري وعمدة سابق / رئيس مركز خير الدين حسيب للدراسات والاعلام والتنمية
في مقالين منشورين أحدهما موقّع باسم لوغورمو، والآخر بقلم ” النائبة” كادياتا مالك جالو – تتجلى بنية خطابية واحدة، مهما اختلفت العناوين والشعارات: خطاب يضيق بالنقاش الحر، ويستبدل الحجاج السياسي بالتوصيف القدحي، ويؤسس لمعادلة خطيرة قوامها احتكار الوطنية وتجريم المخالف.
من ذات المشكاة تخرج اللغة المتحاملة التي تنتقي من الأوصاف أقبحها، ومن الرسائل أشدها إيحاءً بالتهديد الصريح أو المبطن.
لغة لا تعترف بشرعية الرأي الآخر، بل تسعى إلى تأثيمه أخلاقيًا قبل مناقشته فكريًا.
وهي محاولة مستميتة لوضعه تحت وصاية أيديولوجية مسبقة تحدد سلفًا من يحق له أن يتكلم، وما الذي يجوز أن يُطرح.
لقد كان المنتظر – مبدئيًا وأخلاقيًا – أن يُناقش مضمون الندوة التي نظمتها أربعة مراكز دراسات وطنية نقاشًا علميًا رصينًا: تفكيكًا للأطروحات، تقييمًا للمنهجيات، وتمحيصًا للنتائج. غير أن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا.
جرى العدول عن النقل الأمين لوقائع الندوة، واستُعيض عنه ببناء خصم افتراضي تُنسب إليه أقوال لم تصدر عنه، ثم يُهاجَم على أساسها.
وهذا في أدبيات الجدل يُعرف بمغالطة “رجل القش”، وهي حيلة قد تنجح تعبويًا، لكنها لا تصمد أمام التحليل.
إن أخطر ما في الخطابين ليس حدتهما، بل محاولتهما ترسيم المجال العمومي وفق ثنائية تبسيطية: إما أن تكون مع “الحوار” كما يعرّفه كاتبا المقالين، أو تُصنَّف في خانة التخريب، أو معاداة الوحدة، أو التهديد بالانقلاب.
وهذه مصادرة مرفوضة؛ لأن الحوار في معناه الجمهوري ليس ملكًا لسلطة، ولا حكرًا على تيار، ولا صكّ براءة أخلاقيًا يُمنح لفريق دون آخر.
الحوار آلية دستورية وسياسية لإدارة الاختلاف، لا أداة لتجريمه.
ثم إن إثارة قضايا من قبيل ترسيم اللغات الوطنية، ومحاربة التمييز، وملف الإرث الإنساني، لا تمنح أحدًا تفويضًا حصريًا لاحتكار الحديث باسم فئة اجتماعية أو تاريخية بعينها.
فالوطن ليس مجموع جزر هوياتية مغلقة، بل كيان سياسي جامع، وأي مقاربة جادة لهذه الملفات ينبغي أن تنطلق من منظور وطني شامل، يتجاوز منطق الاستثمار السياسي في الجراح، سواء أكان استثمارًا عاطفيًا أم ماليًا أم انتخابيًا.
لقد اعتاد بعض الفاعلين – عبر عقود – تقديم أنفسهم بوصفهم “الوسط” بين “طرفين متطرفين”، أو “الطرح الجامع” بين “طرحَين إقصائيين”. غير أن هذه المعادلة لم تعد تقنع جمهورًا خبر التحولات، وعاين التداخلات، ويدرك أن ادعاء الوسَطية في أحيان كثيرة مجرد تموضع تكتيكي يهدف إلى احتكار الشرعية الرمزية.
الوسط الحقيقي لا يُعلن نفسه وصيًا على النقاش، ولا يوزع شهادات الوطنية، ولا يهدد ضمناً كل من يخرج عن خطه.
أما التلويح بفزاعة “أزمة الهوية” أو “انهيار الوحدة الوطنية” كلما طُرحت مقاربة مختلفة، فهو سلاح ذو حدين.
فالوحدة لا تُحمى بتجريم الأسئلة، ولا تُصان بتحريم التفكير، ولا تُعزز بتخوين المخالف.
إنما تُبنى على الثقة المتبادلة، وعلى الاعتراف المتكافئ، وعلى شجاعة مواجهة الماضي دون انتقائية، والحاضر دون انتهازية.
إن منظمي الندوة –ولك أن تختلف معهم- أقدر على الصمود أمام الضغط المعنوي والابتزاز الرمزي من أن يُدفعوا إلى مربعات الانتماءات الضيقة التي يتمنى لهم خصومهم السقوط فيها.
فهم حين طرحوا رؤية وطنية تعني موريتانيا كلها، لم يكونوا بصدد نفي مظلمة، ولا تمييع حق، ولا إنكار ذاكرة؛ بل كانوا يسعون فكريًا في اتجاه مقاربة شاملة تتجاوز التجزئة وتبحث عن حل مستدام.
إن أخشى ما يخشاه دعاة الاصطفاف الحاد هو بالذات هذا الطرح الشامل: طرحٌ يسحب من تحت أقدامهم احتكار التمثيل، ويُنهي اقتصاد المظلومية، ويحوّل القضايا من أوراق ضغط إلى ملفات سياسات عامة تُدار بمؤسسات ومعايير.
وحينها يسقط منطق “نحن أو الفوضى”، و”رؤيتنا أو الانقسام”.
موريتانيا – بتاريخها وتركيبتها وتحدياتها – أكبر من أن تُختزل في سردية واحدة، أو تُحتكر من تيار واحد، أو تُدار عبر التخويف. ومن أراد للحوار أن ينجح حقًا، فعليه أولًا أن يقبل بأن الحوار يعني تعدد الرؤى، وتكافؤ المتحاورين، وشرعية الاختلاف.
وما عدا ذلك ليس حوارًا، بل محاولة لإنتاج الهيمنة بلغة جديدة.
إن الرهان اليوم ليس بين “الحوار” و”اللا حوار”، كما يُصوَّر، بل بين حوار مفتوح على جميع الاحتمالات الوطنية، وحوار مُؤطَّر سلفًا بخطوط حمراء أيديولوجية.
ولعل الوقت قد حان للارتقاء بالنقاش من مستوى الاتهام إلى مستوى البرهنة، ومن منطق التخوين إلى منطق التفكيك، ومن حدة الانفعال إلى صرامة التحليل. فالأوطان لا تُبنى بالصراخ، ولا تُحمى بالمزايدة، بل تُصان بالعقل، وبالعدل، وبالقدرة على رؤية الذات في مرآة الآخر دون خوف أو وصاية..







