مقالات وآراء

يغيب التحليل ويحضر التحامل … ردٌّ على مقال أحمد الكبير ولد السيد

الأخ أحمد الكبير ولد السيد،
حصحص الحقّ مرة أخرى، لأن النقاش حين يبتعد عن الوقائع ويتكئ على التصنيفات، يفقد بوصلته.
أولاً: في مسألة اللغات الوطنية.
إن طرح ترقية اللغات الوطنية وكتابتها لم يعد موضوع خلاف داخل المجتمع الموريتاني؛ فالمطالبة بترقيتها وتطويرها تكاد تكون محل إجماع. ومن الثابت تاريخياً أن التيارات القومية – ومن بينها الناصريون والبعثيون – كانت من أوائل من طالبوا بتثبيت اللغات الوطنية في النص الدستوري، وهو ما تُرجم في المادة السادسة من دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية، التي أقرت العربية لغة رسمية، واعتبرت بقية اللغات لغات وطنية.
كما أن اللغة العربية، بحكم التاريخ والدين والثقافة، لم تُطرح يوماً باعتبارها لغة قومية حصرية، بل بوصفها لغة الإسلام والقرآن والفقه والعلوم الشرعية، ولغة التوثيق والمراسلات عبر قرون. بل إن اللغات الوطنية ذاتها – البولارية والسوننكية والولفية – كُتبت بالعربية في فترات تاريخية معروفة، ما يعكس تداخلاً حضارياً لا صراعاً هوياتياً.
وعليه، فإن تصوير المسألة وكأنها صراع بين مكونات الشعب الموريتاني هو طرح مفتعل لا يعكس المزاج العام. فالشعب، بمختلف قومياته العربية والزنجية، لا يخوض اليوم معركة ضد العربية، ولا ضد ترقية اللغات الوطنية، بل يبحث عن صيغ عملية متوازنة تحفظ الوحدة الوطنية وتُكرّس الإنصاف الثقافي.
ثانياً: في خلفيات التأزيم.
إن الإشكال الحقيقي – في تقديرنا – ليس في مبدأ ترقية اللغات، بل في توظيف هذا الملف سياسياً من طرف نخب محددة، من بينها قادة الحركة الوطنية الديمقراطية الذين يمثلهم الدكتور لو غورمو عبدول، ضمن ما يُعرف بالتيار الأفرنكفوني التغريبي المتحالف مع بعض النخب التقليدية. وهو تحالف ظل، عبر مراحل مختلفة، مؤثراً في توجيه الأنظمة المتعاقبة، وصناعة الأزمات ثم إدارة تداعياتها، بما يجعله يظهر في موقع “الوسيط المتنفذ”.
إن جوهر الخلاف بيننا وبين هذا التيار(الحركةالوطنية الديمقراطية) لا يتعلق بإنصاف فئة دون أخرى، بل بانتقائية مقاربة ملف حقوق الإنسان وذاكرة سنوات الجمر. فحصر الضحايا في مكون بعينه، وتجاهل ضحايا آخرين من مختلف الشرائح، يكرس قراءة جزئية للعدالة، ويُحوّل ملفاً وطنياً جامعاً إلى عنوان اصطفاف هوياتي.
نحن نطالب بإنصاف الجميع، دون تمييز في اللون أو العرق أو الانتماء الاجتماعي. أما تحويل الملف إلى أداة لإعادة إنتاج ثنائية “لكور” و“البيظان”، فليس مساراً للحوار، بل وصفة لتعميق الانقسام.
ثالثاً: في منطق العمل السياسي.
إن العمل السياسي الرشيد يقوم على التنافس عبر صناديق الاقتراع، لا عبر خلق الأزمات الاجتماعية أو الاستثمار في الهشاشة الهوياتية. وأي محاولة لتحويل مسار الحوار الوطني إلى ساحة مواجهة بين مكونات المجتمع، هي خروج عن غايته الأصلية التي يفترض أن تكون ترسيخ السلم الأهلي وتعزيز الثقة بين المواطنين.
لقد قلنا سابقاً إن النقاش يجب أن ينصرف إلى الأسس:
ما هو السند الدستوري؟
ما هو الإطار القانوني القابل للتطبيق؟
كيف نحقق العدالة الشاملة دون انتقائية؟
أما الاستمرار في توصيف المخالفين واتهامهم بالتحامل أو التعالي، فلن يقدّم حلاً، ولن يبني دولة جامعة.
إن الوطن أكبر من أن يُدار بمنطق الغلبة الرمزية، وأعمق من أن يُختزل في تحالفات ظرفية. والحوار الصادق يبدأ حين نعترف بأن العدالة لا تتجزأ، وأن الوحدة الوطنية لا تُصان بإقصاء سردية لصالح أخرى، بل بفتح المجال لكل الروايات تحت سقف الدستور والقانون.
وهنا فقط، يغيب التحامل… ويحضر التحليل.

سيدي محمد ولد اخليفه

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى