مقالات وآراء

نواذيبو والطاقة في موريتانيا: من حلم التكرير إلى رهانات الغاز والطاقات المتجددة بقلم :احمد محمد حماده كاتب ومحلل سياسي

منذ الاستقلال سنة 1960، ظلت موريتانيا تبحث عن موقع لها في الخريطة الاقتصادية الإقليمية، مستندةً أساسًا إلى ثرواتها المعدنية والبحرية. وفي هذا السياق، برزت مدينة نواذيبو كأحد أهم المراكز الاقتصادية، بفضل موقعها الاستراتيجي على المحيط الأطلسي واحتضانها لميناء حيوي وصناعات مرتبطة بالصيد والمعادن.

غير أن الطموح لم يتوقف عند هذا الحد، بل امتد منذ سبعينيات القرن الماضي إلى محاولة دخول مجال الصناعات النفطية، عبر مشروع تكرير النفط الذي شكّل أول تجربة طاقوية صناعية في البلاد.

تجربة التكرير: حلم مبكر بلا أسس صلبة:

بدأت هذه التجربة مع إنشاء مصفاة نواذيبو في سبعينيات القرن العشرين، في سياق دولي اتسم بارتفاع أسعار النفط عقب صدمتي 1973 و1979. وقد أُنشئت المصفاة بدعم وشراكات تقنية مع أطراف أجنبية، وكان الهدف منها تأمين جزء من حاجيات البلاد من المحروقات وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

غير أن المشروع، الذي افتقر منذ البداية إلى دراسة جدوى دقيقة، واجه صعوبات تقنية كبيرة، إضافة إلى محدودية السوق المحلية وارتفاع تكاليف التشغيل. كما أن التكنولوجيا المستخدمة كانت محدودة الكفاءة، ولم تكن قادرة على منافسة المصافي الحديثة.

وخلال الثمانينيات والتسعينيات، تعاقبت محاولات إنعاش المصفاة، لكنها باءت بالفشل، إذ ظلت كلفة التكرير أعلى من كلفة استيراد الوقود الجاهز، كما أن الطاقة الإنتاجية المحدودة لم تسمح بتحقيق اقتصاد الحجم. وفي نهاية المطاف، تم توقيف نشاط التكرير نهائيًا سنة 1999، لتُطوى بذلك صفحة أول تجربة صناعية نفطية في موريتانيا.

مرحلة النفط: آمال حقل شنقيط وخيبة الواقع:
بعد توقف التكرير، اتجهت موريتانيا نحو الاستكشاف النفطي، ما أدى إلى اكتشاف حقل شنقيط سنة 2001، بقيادة شركة Woodside Petroleum الأسترالية، وبمشاركة شركات أخرى مثل Hardman Resources.

دخل الحقل مرحلة الإنتاج سنة 2006، لكنه لم يحقق الآمال المعلقة عليه، حيث تراجع إنتاجه بسرعة نتيجة تعقيدات جيولوجية وتحديات تقنية. وهكذا بقيت موريتانيا دولة مستوردة للطاقة، مع هشاشة واضحة في أمنها الطاقوي.

التحول الكبير: الغاز الطبيعي ومشروع السلحفاة الكبرى:
دخلت موريتانيا مرحلة جديدة مع اكتشاف الغاز الطبيعي بكميات ضخمة، خاصة في حقل Greater Tortue Ahmeyim (السلحفاة الكبرى – آحميم)، الواقع على الحدود البحرية بين موريتانيا والسنغال.

يقود هذا المشروع تحالف دولي يضم شركة BP البريطانية، وشركة Kosmos Energy الأمريكية، إضافة إلى الشركة الموريتانية للمحروقات SMH.

وقد دخل المشروع مراحل الإنتاج الأولى، موجّهًا أساسًا للتصدير، ما يفتح آفاقًا جديدة أمام الاقتصاد الموريتاني ويعزز موقعه في سوق الطاقة العالمية.

سياق دولي داعم: الغاز كوقود انتقالي:
هذا التحول من النفط إلى الغاز يعكس تغيرًا في بنية السوق العالمية، حيث يُنظر إلى الغاز الطبيعي كوقود انتقالي أقل تلويثًا مقارنة بالفحم والنفط. كما أن الطلب الأوروبي المتزايد، خاصة بعد الحرب في أوكرانيا، جعل من غرب أفريقيا منطقة استراتيجية لتأمين الإمدادات.

الطاقات المتجددة: رهان المستقبل:
بالتوازي مع الغاز، بدأت موريتانيا تكتشف إمكاناتها الكبيرة في مجال الطاقات المتجددة. فالسواحل الشمالية، خاصة في محيط نواذيبو، تُعد من بين أفضل المناطق عالميًا لإنتاج الطاقة الريحية، بينما تتمتع البلاد بإشعاع شمسي قوي.

وقد أدى ذلك إلى إطلاق مشاريع طموحة، من أبرزها مشروع Aman Hydrogen Project الذي تطوره شركة CWP Global، ومشروع Nour Project Mauritania.

هذه المشاريع لا تستهدف فقط إنتاج الكهرباء، بل أيضًا إنتاج الهيدروجين الأخضر، الذي يُتوقع أن يصبح عنصرًا أساسيًا في اقتصاد الطاقة العالمي خلال العقود القادمة.

نواذيبو: من مصفاة فاشلة إلى منصة طاقوية:
في هذا السياق، تعود نواذيبو إلى الواجهة، لكن هذه المرة برؤية مختلفة. فبدل أن تكون موقعًا لمصفاة تقليدية، يمكن أن تتحول إلى:
_ منصة لتصدير الغاز الطبيعي المسال
_ مركز لإنتاج الطاقة الريحية
_ قاعدة لصناعة الهيدروجين الأخضر
_ عقدة لوجستية إقليمية للطاقة
_ موقعها الساحلي، وقربها النسبي من أوروبا، والبنية المينائية المتوفرة، كلها عوامل تعزز هذا الطموح.

التحديات: بين الطموح والواقع
رغم هذه الفرص، تواجه موريتانيا تحديات حقيقية:
_ ضعف البنية التحتية (الكهرباء، المياه، النقل)
_ الحاجة إلى استثمارات ضخمة
_ محدودية الكفاءات البشرية المتخصصة
_ التنافس الإقليمي من دول مثل السنغال و المغرب و الجزائر.
_ تحديات الحوكمة والشفافية

البعد الاجتماعي: اختبار العدالة التنموية:
نجاح هذه المشاريع لا يُقاس فقط بالأرقام، بل بمدى انعكاسها على حياة المواطنين. فالتحدي الحقيقي هو:
_ خلق فرص عمل محلية
_ تطوير الخدمات الأساسية
_ تجنب نموذج “اقتصاد الجزر”
_ ضمان توزيع عادل للعوائد.

درس الماضي ورهان المستقبل:
تكشف تجربة الطاقة في موريتانيا عن انتقال واضح من الطموح غير المدروس إلى الواقعية الاستراتيجية. ففشل مصفاة نواذيبو لم يكن نهاية الطريق، بل كان درسًا أعاد توجيه الخيارات نحو مجالات أكثر جدوى.

اليوم، تقف موريتانيا أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف موقعها في الاقتصاد الإقليمي. لكن هذه الفرصة مشروطة برؤية واضحة، وحوكمة رشيدة، وقدرة على إدارة الشراكات الدولية بذكاء.

وبين أطلال مصفاة الأمس، ومشاريع الغاز والهيدروجين التي تلوح في الأفق، تتشكل معادلة جديدة:

ليست الثروة في امتلاك الموارد، بل في حسن إدارتها.
فهل تنجح موريتانيا هذه المرة في تحويل نواذيبو من شاهد على إخفاق الماضي إلى عنوان لنهضة طاقوية مستدامة، أم أن التاريخ سيعيد نفسه… ولكن بأدوات أكثر تعقيدا.؟

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى