مجموعة الكادحين … من صناعة الأزمات إلى التحكم في مفاصل القرار

يقدم مقال الدكتور أعلي ولد اصنيبه شهادة سياسية ثرية، تجمع بين السرد الشخصي والتحليل العميق لمسار طويل من التفاعل مع السلطة في موريتانيا. ويكتسي هذا المقال أهمية خاصة لأنه لا يكتفي بتوثيق تجربة فردية، بل يسلّط الضوء على دور شبكة بعينها في تشكيل ملامح الحياة السياسية، وهي – كما يتضح من السياق – مجموعة الكادحين.
يبرز المقال هذه المجموعة بوصفها فاعلًا مركزيًا ظل حاضرًا في مختلف مراحل الحكم، خاصة خلال فترة الرئيس معاوية ولد الطايع، حيث تمكنت – وفق الطرح – من التسلل إلى مراكز القرار، بل وأحيانًا من التأثير في توجيه السياسات من داخل المؤسسات السيادية. ولم يكن هذا الحضور وليد الصدفة، بل نتيجة خبرة تراكمية في فهم طبيعة الأنظمة وآليات اشتغالها.
ومن أبرز ما يميّز مجموعة الكادحين، كما يعرضها المقال، هو قدرتها على اللعب على أكثر من واجهة في آن واحد؛ فهي لا تكتفي بالتموقع داخل دوائر الحكم، بل تمتد لتؤثر في المعارضة، سواء عبر اختراق بعض الأحزاب أو عبر توجيه الخطاب السياسي العام. وهذا ما يجعلها، في نظر الكاتب، فاعلًا يتجاوز التقسيم التقليدي بين موالاة ومعارضة.
كما يلفت المقال إلى أن هذه المجموعة تعتمد على تعدد أدوات التأثير، حيث تنشط في الحقل السياسي، وتواكب ذلك بحضور في المجال الحقوقي والفرنكفوني، بل وتلامس أحيانًا قضايا الهوية والحركات الاجتماعية. هذا التداخل يمنحها قدرة عالية على إعادة إنتاج نفسها والتكيّف مع مختلف السياقات.
ومن المهم الإشارة – كما يضيف هذا التحليل – إلى أن فشل هذه المجموعة على مستوى صناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية والمحلية والرئاسية، دفعها – وفق هذا التصور – إلى تبني أساليب بديلة للنفوذ، تقوم على التسلل إلى مراكز القرار والتأثير غير المباشر في السلطة، وذلك من منطلق إيديولوجي يسعى إلى تحقيق الأهداف خارج المسار الديمقراطي التقليدي.
ويصل التحليل إلى خلاصة مفادها أن مجموعة الكادحين لا تكتفي بإدارة الأزمات، بل تمتلك – حسب ما يفهم من المقال – مهارة في صناعتها ثم التحكم في مساراتها، وهو ما يعزز من حضورها الدائم في المشهد. ويتجلى ذلك اليوم في دورها في توجيه بعض الملفات الحساسة، وعلى رأسها ملف الحوار الوطني، حيث تسعى – كما يوحي المقال – إلى إعادة ترتيب موازين القوى بما يخدم استمرار نفوذها.
وفي المحصلة، فإن هذا المقال يقدّم قراءة نقدية جريئة لدور النخب الشبكية في موريتانيا، ويطرح تساؤلًا عميقًا حول طبيعة النظام السياسي: هل الإشكال في تعاقب الأنظمة، أم في استمرارية نفس الشبكات التي تعيد تشكيل نفسها داخل كل نظام؟ وهو سؤال يظل مفتوحًا أمام كل من يسعى لفهم أعمق لمسار التغيير في البلاد.
سيدي محمد ولد اخليفه







