لا حرية ولا كرامة إلا بثمن

أثبت التاريخ وجميع أحداث السيرة الإنسانية ومراحل التطور أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، وأن من لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم، وأن الضعف والذل مفضيان إلا نزع الحرية وإحلال الاسترقاق والاستعباد والتسخير، وكل أنواع التعامل غير العادل وغير المنصف.
وقد أثبتت التجارب أن الصبر والثبات والصمود هم أدوات النصر وشروطه، وبانعدام الصبر والثبات والصمود لا طمع في النصر، وثبت أن من لم يعانِ ويتألم ويكدح ويشقى في سبيل طموحه وغاياته وحاجاته ومطالبه فلا يجب أن يفكر في تحقيق شيء منها، فلا حظ لأحد في نجاح ولا حظ له في الإنجاز، ولا حظ له في حفظ الذات وحفظ الكرامة وحفظ الشرف وحمايته !!!
وإننا كأمة عرفنا في صيرورتنا التاريخية مراحل من المجد وكبوات وصعودًا بلغ عنان السماء وسقوطًا ودرجات من الانحطاط، وكان عامل القيادات جد مؤثر، فمع قيادات بلغنا من المعالي عنان السماء، ومع آخرين خسرنا كل شيء حتى الأندلس وبغداد، ويراد لنا اليوم خسارة فلسطين كلها !!!
لقد تسلط على هذه الأمة في تاريخها الحديث أعداء قادمون من وراء البحار، فقطعوا في سايكس-بيكو أقطارنا وأراضينا وجعلونا دويلات، وبعضنا قسم في مناسبات أخرى، فصرنا دويلات وكيانات متصارعة يحكمها حكام ولاؤهم لمن أعانهم على الحكم تافهون يتبعون أوامر سادتهم من الممالك الأوروبية المختلفة، وقد اختاروا من أفضل أراضينا وأقدسها قلب الشام، فلسطين، فجعلوها مكانًا لتجميع أشتات من شعوب يسمون اليهود، كان الأوروبيون يضطهدونهم مئات السنوات ويضعونهم في غيتوات ويتهمونهم باشنع الاتهامات ويعتبرونهم نجسا، وكنا نحن نكرمهم ونتعامل معهم بلطف وأخوة في مختلف أقطار العرب ومناطقهم المختلفة. قاموا بتجميعهم في أرض فلسطين وأمدوهم بالقوة والسلاح وشجعوهم وتعاونوا معهم بحكم الانتداب البريطاني، تابع تطورهم وتقدمهم وكسبهم للقوة للاستيلاء على أرض شعب فلسطين الذي طردوه بوسائل مختلفة، بالقتل والإرهاب، ثم أعلنوا في مسرحية لم تخف على أحد “دولة” في هذه الأرض المغتصبة سنة 1948، ووفر لهم الأسلحة بكل أنواعها، ومنها الأسلحة الذرية التي ساعدتهم فرنسا على امتلاكها، وضمنوا لهم تفوقًا على الدول القطرية في محيطهم…
وأمام هذا الوضع وخلال تطورات استمرت طيلة قرن، انبثقت من أرض العرب حركات تحررية تقدمية وقومية وإسلامية ترفض هذا الواقع، وظهر رجال وحكام بذلوا بعض الجهد وقدموا بعض التضحيات، لكنها ظلت تحتاج قوة وصلابة وإصرارًا واستمرارًا حتى تكون لها نتائج، وبرغم بعض المعارك البطولية والنشاطات الثورية، كانت كلها دون المستوى، وظلت تحاصر وتحارب من الدول التي زرعت ذلك الكيان “إسرائيل”، واعتمدوا في محاربتهم لقوة التحرر على دعم القوة البترولية في الخليج العربي التي دعمت أمريكا والصهيونية، واستخدمت الدين وفتاوى وأحكام مزيفة عن سياقها، والإعلام الذي أنفقوا عليه المليارات، وزيفوا به الوعي، وضللوا البسطاء، ودبروا المؤامرات التي بلغت غزو الدول وإسقاط الحكومات والزعماء الذين لم يخضعوا للمخططات الصهيوأمريكية والاستعمارية، فكانت تحاصر وتحارب دائمًا كل من لم يخضع، وفي سنة 1979 أسقطت الثورة الإسلامية الإيرانية شاه إيران عميل أمريكا والصهيونية، وبدأت تتشكل ظاهرة جديدة لمقاومة الظلم الممارس ضد الفلسطينيين آت من خارج العرب، لقد كان العرب هم المعنيون وحدهم بقضية الشعب الفلسطيني العربي، فتفاجأ حماة “إسرائيل” من أمريكيين وغربيين بموقف الثورة الإسلامية، فوجهوا حربهم نحوها، ومن يوم نجاح الحركة التي قادها الخميني وهي في عين العاصفة تحارب وتحاصر ويضيق عليها بمختلف الوسائل والصيغ، وتدخلوا في الصراع المؤسف الذي وقع بين قوتين من القوى المعادية لاحتلال فلسطين، فتدخل المجرمون لتقوية الصراع بين القوتين ودعموا العراق الذي اعتبروه قادرًا على إنهاء الثورة الإسلامية، وأظهر أهل الخليج، المؤتمرين بأمر أمريكا، أنهم يدعمون العراق، وانخدع العراقيون وبعض البعثيين بهذا الدعم وظنوه موقفًا قوميًا يساندهم ضد الأمة الفارسية، وأفكارًا تافهة من هذا القبيل، تبين بعد نهاية الحرب زيفها وضعفها عندما وجهت أمريكا الدول الخليجية التي كانت تشجعهم لدعم العراق إلى محاربة العراق عن طريق زيادة إنتاجهم من النفط ليؤثروا على أسعار النفط للإضرار بالعراق الخارج من الحرب والمحتاج لبناء ما أثرت عليه الحرب وإسعاد شعبه الذي يعيش التقشف منذ ثمان سنوات، وطلبت منهم أمريكا زيادة على ذلك مطالبة العراق بتسديد ديونهم التي استلفوها له أثناء الحرب، ولم تكتف أمريكا بهذه المؤامرات فسربوا للعراق معلومات كاذبة وأنهما لن يتدخلوا في صراع العرب بينهم، وعند احتلال العراق للكويت بسبب الاختلاف بينهم الذي من ورائه واشنطن قدم أهل الخليج أراضيهم للقواعد الأمريكية التي ما تزال هناك حتى الآن، وقد أفتى علماء السعودية وغيرها من حكومات الخليج بجواز إعطاء أراضيهم للقواعد الأمريكية، وحتى السعودية التي فيها الحرمين الشريفين، وأنشأت القواعد التي استمرت بعد تحطيم العراق وأفغانستان!!! واجتمعوا كلهم على محاربة ومحاصرة إيران وشيطنتها وذمها وإخراجها من الملة، واستمرت إيران وحدها واقفة داعمة مؤازرة للمقاومة الفلسطينية بقوة واتجاهها لمحاربة طغيان أمريكا و”إسرائيل”، واستمر العملاء يخضعون للتوجيهات والتعليمات الأمريكية…
لقد أصبحت إيران، بعد القضاء على الأنظمة القومية كنظام عبد الناصر ونظامي العراق وليبيا، والنظم التحررية كنظامي اليمن والجزائر، هي وحدها التي تقف صابرة صامدة تعاني الحصار واجتماع الغريب والقريب على محاربتها والعداء لها، تعاديها أمريكا والغرب ويعاديها العرب وبعض المسلمين….
وعند قيام المقاومة الفلسطينية في 7 تشرين الأول بصولة طوفان الغضب التي أذاقت فيها المحتلين الأمرين وأذلتهم وأهانتهم، وكان كل ذلك بدعم وتسليح وتدريب من إيران، بدأت الصهيونية في أمريكا و”إسرائيل” تعد العدة لاستئصال شأفة المقاومة ومؤيديها، وتوصلوا في بحثهم إلى أن إيران هي وحدها التي إن بقيت فإنها ستستمر تشكل عائقًا في وجوه سيطرة “إسرائيل” وهيمنتها على المنطقة، ولإنهاء كل العقبات بينهم وبين “إسرائيل الكبرى” وتصفية كل أثر للقضية الفلسطينية ولتملكهم لأي جزء من أرضهم فلسطين!!!
لقد أرادت أمريكا و”إسرائيل” أن تفعلا بإيران ما فعلتا بالعراق ولبنان وسوريا، وأعدوا قوة لم تجتمع بعد الحرب العالمية الثانية، وأرادتا أولًا تخويفها فلم تخف، فجربوا عليها ما يكفي ليحارب العالم كله، واستخدموا من الأسلحة الحديثة ما لم يشهد العالم له مثالًا، لكن إيران المسلمة المؤمنة بالحق والعدل وبالواحد القهار واجهتهم باسلحتها التي صنعتها بيد أبنائها وهي محاصرة، وأذاقتهما الأمرين تقتيلًا وتدميرًا وإذلالًا، وهم يصبون عليها من القنابل والصواريخ التي لا تستثني طفلًا ولا شيخًا ولا مسجدًا. يريدونها ان تستسلم لكن القيادات الإيرانية التي شهدت مقتل المرشد الأعلى وعشرات القيادات العليا ولم تهتز فيها شعرة ولم ترتبك لحظة ولم تضعف أو تتخاذل أروهم ما كان يجب أن يريانه من صنوف الرجولة فظلوا يسقون المتحالفين المعتدين الجبناء مذاق العلقم فحطموا جميع القواعد الأمريكية وحطموا راداراتهم ومراصدهم وآلاتهم الأكثر تطوراً ويتحدث رئيس الأركان الأمريكي عنهم فيقول (ترامب عرض قواتنا لقوات لا تهاب الموت وجهوا لنا ضربات مميتة وبعد التهديد والوعيد وإظهار القوة الفائقة والوعود بانتهاء إيران ماذا جرى؟
لقد قبلت أمريكا وقف اطلاق النار طبقا لشروط إيران كاملة فكيف امكنهم فعل ذلك؟ لو لم يؤمنوا لما صبروا ولو لم يصبروا ما تمتعوا بهذا القدر من القوة والبأس ولو لم يستبسلوا ويصمدوا لما حققوا ما حققوا فبخ بخ برجال إيران الذين علمونا وعلموا العالم كله كيف تتم المحافظة على الكرامة وكيف يرتدع الأعداء وتنتزع منهم الحقوق فلله درهم من رجال الرجال ولله درهم من شجعان ولله درهم من رجال لله اخلصوا وصبروا كما أمروا فنصروا كما وعدوا
7 ابريل 2026
التراد ولد سيدي







