فتاوى على رمال متحركة .. حين يتغير اتجاه الريح

عالي محمد ولد أبنو
تتسم الفتاوى والمواقف في بيئتنا الصحراوية -حيث الرمال المتحركة والرياح المتقلبة- بدرجة ملحوظة من عدم الاستقرار، حتى ليخيَّل للمرء أن ما يحيط بها من ظواهر طبيعية أكثر ثباتا منها. فكما لا تثبت الكثبان على هيئة واحدة، وكما يتبدل وجه الصحراء مع كل هبة ريح، كذلك تتبدل تلك الفتاوى والمواقف تبعا لتحولات النفوذ وتغير موازين المصالح وتبدل مراكز التأثير. فالمناخ الفكري هنا لا يختلف كثيرا عن المناخ الجغرافي؛ كلاهما محكوم برياح متقلبة، وكلاهما يعيد تشكيل تضاريسه كلما تغير اتجاه الضغط.
وفي هذا الفضاء، لا تكتفي الرياح بتغيير اتجاهها، ولا تكتفي الكثبان بالتحرك في صمت؛ بل تتحرك معها الاتجاهات والآراء والفتاوى أيضا. فكما تكفي هبّة ريح عابرة لإعادة رسم شكل الرمال، قد يكفي ظرف سياسي طارئ، أو تبدل في ميزان المصالح، أو تغير في موقف جهة داعمة أو ممولة، لكي يُعاد توجيه موقف ما أو تُعاد صياغة فتوى كانت قبل لحظات تبدو قطعية لا تقبل المراجعة. ولهذا، فإن من أراد فهم اتجاه تلك الفتاوى لا يكفيه النظر في نصوصها، بل ينبغي له أن ينظر أولا إلى خرائط النفوذ والمصالح التي تحيط بها؛ فهذه الخرائط تؤدي الدور نفسه الذي تؤديه الرياح في رسم تضاريس الكثبان.
ومن هنا قد لا يكون مستغربا أن تصدر فتوى في صباح يوم ما بلهجة الجزم والقطع، ثم تُعاد صياغتها أو يُتراجع عنها مساء اليوم نفسه تحت تأثير ضغوط مستجدة أو إغراءات طارئة. بل قد يخطر لبعض المراقبين أن صدور الفتوى أحيانا ليس سوى خطوة أولى في عملية تفاوض غير معلنة، يُنتظر منها استدرار تلك الضغوط أو الإغراءات قبل أن يُعاد ترتيب الموقف مرة أخرى. وفي خضم التذمر الذي يثيره هذا التحول المفاجئ، لا يعجز المدافعون عن ابتكار ما يلزم من التأويلات والتفسيرات لتسويغ التبدل؛ فالمخارج الخطابية في مثل هذه الحالات واسعة بقدر اتساع الصحراء نفسها.
وغالبا ما تُختتم هذه التبريرات بحجة مألوفة مفادها أن الجهة التي صدرت عنها الفتوى أوسع علما من منتقديها، وأن ما يبدو تناقضا في الظاهر ليس إلا اجتهادا لا يدرك حكمته إلا الراسخون في العلم.
ومع مرور الوقت يُضاف إلى ذلك قدر من التقديس يحيط بهذه الجهات، حتى يصبح نقدها أو مساءلتها ضربا من الجرأة غير المقبولة، بل يُصوَّر أحيانا على أنه مساس بالدين والأخلاق.
وهكذا تتكون حلقة مغلقة يتداخل فيها النفوذ بالمصلحة، ويُكسى التقلب بلباس القداسة، فتتحول الكثبان الفكرية إلى تضاريس لا يُسمح لأحد بأن يشير إلى أنها في النهاية لم تكن سوى رمال أعادت رياح المصالح ترتيبها.






