مقالات وآراء

دموع على فاجعة لبنان الجريح

في مشهد يعيد إلى الذاكرة أحلك صفحات الحرب الأهلية في ثمانينيات القرن الماضي، استفاق لبنان على واحدة من أعنف وأقسى موجات القصف التي عرفها منذ عقود، حيث تحولت مدنه وقراه إلى مسرح مفتوح للموت والدمار، في يوم دموي لن يُمحى من ذاكرة اللبنانيين.

ففي ساعات قليلة، حصدت غارات الاحتلال الإسرائيلي أرواح أكثر من 303 لبنانيين، وأصابت نحو 1150 آخرين، وفق حصيلة أولية، في واحدة من أكبر المجازر التي يشهدها البلد منذ سنوات طويلة. ولم تكن هذه الأرقام مجرد إحصاءات جامدة، بل كانت وجوهاً وأحلاماً وبيوتاً انهارت فوق ساكنيها، وعائلات فقدت كل شيء في لحظة خاطفة.

مشهد إنساني يفوق الوصف

لم تكن الغارات مجرد ضربات عسكرية، بل كانت سلسلة من الانفجارات المتزامنة التي استهدفت مناطق واسعة، من بيروت إلى الجنوب والبقاع، مخلفة دماراً هائلاً وحالة من الذعر غير المسبوق بين السكان.

امتلأت المستشفيات عن آخرها، وعملت فرق الإنقاذ وسط الركام بحثاً عن ناجين، فيما اختلطت صرخات الأهالي بأصوات الانفجارات ودماء الشهداء والجرحى، في مشهد يلخص مأساة شعب يعيش تحت النار.

هدنة تُخرق… ونار لا تتوقف

ما يزيد من قسوة الفاجعة أن هذه المجازر جاءت في وقت أُعلن فيه عن هدنة بين الولايات المتحدة وإيران، كان من المفترض أن تمتد آثارها لتهدئة المنطقة، وربما تشمل لبنان أيضاً. غير أن ما حدث على الأرض كان عكس ذلك تماماً، حيث استمرت الغارات بل وتصاعدت، في خرق واضح لكل التوقعات والرهانات على التهدئة.

ولم يتوقف القصف عند حدود الضربة الأولى، التي نُفذت بمائة غارة خلال عشر دقائق، بل تواصلت الهجمات في اليوم التالي، مستهدفة الضاحية الجنوبية ومناطق أخرى، ما يؤكد أن لبنان لا يزال في قلب العاصفة، وأن آلة الحرب لم تهدأ بعد.

ذاكرة الثمانينات تعود

كثير من اللبنانيين شبّهوا ما حدث بأنه يعيدهم إلى سنوات الحرب الأهلية، حين كانت الغارات والدمار جزءاً من الحياة اليومية. اليوم، يتكرر المشهد بصورة أكثر قسوة، مع أسلحة أشد فتكاً، وواقع إنساني أكثر هشاشة، وبلد يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية خانقة، في ظل حالة من العجز العربي والدولي عن إيقاف هذا النزيف.

أزمة إنسانية تتفاقم

هذه الضربات لم تخلّف قتلى وجرحى فحسب، بل دفعت لبنان نحو أزمة إنسانية أعمق، مع نزوح آلاف العائلات، وانهيار البنى التحتية، وتدمير جسور ومرافق أساسية، فضلاً عن ضغط هائل على القطاع الصحي والخدماتي. وتشير المعطيات إلى أن التصعيد المستمر منذ أسابيع أسفر عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا وتشريد آلاف السكان، ما ينذر بكارثة إنسانية واسعة.

لبنان… وجع لا ينتهي

في نهاية هذا اليوم الدامي، لا يبدو أن لبنان يودّع مأساته، بل يدخل فصلاً جديداً منها؛ فالقصف مستمر، والضحايا يتساقطون، والآمال في التهدئة تتلاشى أمام واقع ميداني مشتعل.

لكن في سياق أوسع، لا يمكن قراءة ما يجري في لبنان بمعزل عن توازنات إقليمية معقدة وصراعات مفتوحة تتجاوز حدوده الجغرافية. فلبنان بحكم موقعه وتركيبته ظل تاريخياً ساحة لتقاطع المصالح والنفوذ، ما يجعله في كثير من الأحيان الضحية الأولى لأي تصعيد في المنطقة.

إن استمرار هذا المشهد الدموي يطرح تساؤلات عميقة حول جدوى التفاهمات الدولية الهشة، وقدرة المجتمع الدولي على فرض التهدئة، كما يكشف عن هشاشة منظومة الردع العربي والإسلامي في القضايا الجوهرية، وعجزها عن حماية الشعوب والمصالح في المنطقة.

وفي ظل غياب أفق سياسي واضح لحل الصراعات الإقليمية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، يبقى الخوف قائماً من انزلاق الأوضاع نحو مواجهة أوسع، قد تكون تداعياتها أكثر خطورة على لبنان والمنطقة بأسرها.

إن ما يجري في لبنان ليس مجرد فاجعة عابرة، بل جرح مفتوح في جسد وطن أنهكته الحروب، وما زال يدفع ثمن صراعات أكبر منه… صراعات لا تترك له سوى الدموع والانتظار.

بقلم: الصحفية تماد إسلم أيديه

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى