حين يصبح المدرج غربة… بأي لغة يُخاطَب الوطن؟

في إحدى قاعات مدرج كلية الطب بجامعة نواكشوط، لم يكن المشهد عادياً. الحضور كثيف، الوجوه متطلعة، والفرحة معلّقة على لحظة إعلان نجاح طالب أو طالبة بعد سنوات من الجد والاجتهاد. آباء وأمهات، أقارب وأصدقاء، أساتذة وإداريون، كلهم جاءوا ليشاركوا أبناءهم هذه اللحظة الفارقة. لكن، ومع انطلاق النقاش، بدأ شعور غريب يتسلل إلى القاعة… شعور بالغربة داخل الوطن.
فكل ما كان يصدر عن منصة النقاش، عبر مكبرات الصوت، كان باللغة الفرنسية. مداخلات الأساتذة، تعقيبات اللجنة، وحتى أدق تفاصيل التقييم العلمي، كلها بلغة لا يفهمها أغلب الحاضرين. فجأة، تحوّل المدرج إلى فضاء من الهمس: هذا يسأل ذاك “ماذا قال؟”، وذاك يرد “لا أعرف، لا أجيد الفرنسية”، فتتكرر الحيرة، ويعمّ الإحساس بالعجز.
ولم يكن الحاضرون من عامة الناس فقط، بل كان فيهم أساتذة، ومفتشون، وإداريون، وأصحاب شهادات عليا… لكن شهاداتهم بالعربية، فيما مفاتيح الفهم في تلك اللحظة كانت بالفرنسية. هنا تتجلى المفارقة المؤلمة: نخبة علمية في وطنها، لكنها عاجزة عن متابعة حدث علمي يخص أبناءها، بسبب حاجز لغوي قابل للكسر، لكنه مستمر بإرادة بشرية لا بضرورة علمية.
وسط هذا المشهد، كان هناك متنفس وحيد. حين يُطلب من الطالب أداء القسم بالعربية، تعود الحياة إلى القاعة. ترتفع التصفيقات، وتعمّ الابتسامات، لأن الجميع أخيراً فهموا شيئاً. فهموا أن ابنهم نجح، وأن سنوات التعب أثمرت. لحظة بسيطة، لكنها كاشفة: اللغة ليست مجرد أداة، بل جسر انتماء.
والأغرب من ذلك، أن كثيراً من الأساتذة المشرفين وأعضاء اللجان يجيدون العربية، بل يتقنونها، لكنهم يختارون إقصاءها من فضاء علمي وطني. وكأن الاعتراف بالعلم لا يكتمل إلا عبر لغة أجنبية، وكأن العربية، رغم قدرتها، تُحرم من أداء دورها الطبيعي في نقل المعرفة داخل مجتمعها.
إن ما حدث في ذلك المدرج ليس حادثة عابرة، بل هو صورة مصغّرة لواقع أوسع، حيث يمكن لأقلية متمكنة من لغة وثقافة أجنبية أن تفرض نمطاً يجعل الأغلبية تشعر بالتهميش داخل وطنها. إنها ليست مسألة لغة فحسب، بل مسألة عدالة معرفية، وهوية، وحق في الفهم والمشاركة.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: إلى أين يتجه خريجو هذه الكلية؟ هل سيتوجهون إلى المستشفيات والمراكز الصحية في المدن والقرى، حيث المرضى البسطاء الذين لا يعرفون من الفرنسية حرفاً؟ كيف سيتواصلون معهم؟ وبأي لغة سيشرحون لهم آلامهم وأمراضهم وعلاجهم؟
أم أننا أمام جيل قد يجد نفسه غريباً في بيئته، كما شعرنا نحن بالغربة داخل مدرج كلية الطب بجامعة انواكشوط.
إن الطب، في جوهره، ليس فقط علماً، بل رسالة إنسانية. وهذه الرسالة لا تكتمل إلا بلغة يفهمها المريض، ويتفاعل معها المجتمع. فلا معنى لعلم لا يصل، ولا قيمة لمعرفة لا تُفهم.
لذلك، فإن إعادة الاعتبار للغة العربية في الفضاءات العلمية، خاصة في مجالات حيوية كالطب، لم تعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية. ليس إقصاءً للغات الأخرى، بل توازناً يعيد للمجتمع حقه في الفهم، وللعلم رسالته في خدمة الإنسان.
مدرج كلية الطب بجامعة انواكشوط بتاريخ:2026/3/18*
سيدي محمد ولداخليفه







