حين يتحول النقد إلى تحامل: الكفاءة لا تُقاس باللغة ولا تُختزل في القبيلة

مع كامل الاحترام للأستاذ محمد كيدى، الذي نعدّه من الوجوه الصحفية المحترمة، فإن تدوينته الأخيرة بشأن وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، محمد ولد ببّانه، لم تكن موفقة، في تقديري، لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون؛ إذ تجاوزت حدود النقد الموضوعي إلى التجريح الشخصي والتعريض القبلي، وخلطت بين تقييم الكفاءة في تولي المسؤوليات العامة والإساءة إلى الانتماء الاجتماعي.
أولًا: من حيث الشكل، تجاوز النقد حدود الموضوعية
إن وصف الوزير بأنه أحادي اللغة، ثم الحديث عن احتمال وجوده في بقالة بلواندا لولا الفساد وغياب معايير الدولة، لا يقدم حجة موضوعية بقدر ما ينطوي على انتقاص من الرجل وإساءة إلى جماعته القبلية.
والغريب أن العبارة تستبطن انتقاصًا من مهنة التجارة ذاتها، وكأن ممارسة التجارة في أنغولا أو غيرها عار ينبغي أن يُعيَّر به الإنسان. والحقيقة أن التجارة عمل شريف، وأن التاجر قد يكون عالمًا ومثقفًا وصاحب مكانة اجتماعية ووطنية، كما أن ممارسة التجارة لا تتعارض مع الكفاءة ولا تنتقص من قيمة الإنسان.
إن نقد التعيينات الحكومية والمطالبة بإرساء دولة المعايير حق مشروع، بل ضرورة وطنية، لكن هذا الحق يفقد جانبًا من قيمته حين يتحول إلى سخرية من الأشخاص أو تعريض بانتماءاتهم القبلية.
ثانيًا: من حيث المضمون، الكفاءة الوزارية أوسع من إتقان اللغات
لا شك أن إتقان اللغات، ولا سيما في وزارة الثقافة والعلاقات مع البرلمان، يمثل ميزة مهمة قد تساعد المسؤول في أداء مهامه وتعزيز التواصل الثقافي والانفتاح على العالم. لكن الكفاءة الوزارية لا تُقاس بعدد اللغات التي يتحدثها الوزير وحدها، وإنما تشمل التكوين العلمي، والخبرة المهنية، والتجربة الإدارية، والقدرة على التخطيط والتنفيذ وتحقيق الأهداف.
أما الادعاء بأن محمد ولد ببّانه لا يعرف سوى الحسانية، ولا يتقن العربية ولا الفرنسية ولا الإنجليزية، فهو ادعاء يحتاج إلى التثبت، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره حقيقة ثابتة دون دليل.
وحتى إذا ثبت ضعف إتقانه لبعض اللغات، فإن ذلك لا يكفي وحده للحكم على مجمل كفاءته أو أهليته لتولي المسؤولية. والأجدر بمن يريد تقييم تعيينه أن يعرض مؤهلاته وخبراته، ويقارنها بمتطلبات المنصب، بدلًا من اللجوء إلى الأحكام المسبقة والتجريح الشخصي.
ثالثًا: المفارقة اللغوية في تدوينة تتخذ من اللغة معيارًا للحكم على الآخرين
من المفارقات اللافتة أن صاحب التدوينة اتخذ من إتقان اللغة معيارًا للطعن في كفاءة وزير الثقافة، بينما كان من الممكن أن تكون تدوينته نفسها أكثر عناية بسلامة التعبير ودقة الصياغة.
ففي قوله: «درس معي هذا الرجل في نفس الفصل الدراسي بكلية العلوم القانونية»، كان الأجدر، من حيث سلاسة التعبير ودقته، أن يقول: «درس هذا الرجل معي في الفصل الدراسي نفسه بكلية العلوم القانونية».
فالعبارة الأصلية مفهومة، ولا يصح الجزم بأنها خطأ نحوي صريح، لكن الصياغة المقترحة أكثر إحكامًا من الناحية الأسلوبية.
أما قوله: «فباب التعليقات مفتوح على مصراعيه لتجار تجكانت في أنغولا وفي كل مناكب أفريقيا»، فالمشكلة هنا ليست لغوية فحسب، بل تتعلق أساسًا بالدلالة والسياق؛ إذ تتحول العبارة من مناقشة أهلية الوزير إلى التعريض بقبيلته، وكأن الانتساب إليها أو ممارسة أبنائها للتجارة أمر يستوجب السخرية.
وكذلك فإن العبارة العامية التي أوردها الكاتب: «يكفي محمد ولد ببّانه أنه راجل زين، وخيرت بيه وبابيه»، ينبغي فهمها في سياقها اللهجي والاجتماعي، مع التمييز بين نقل الكلام كما قيل وبين اتخاذه دليلًا على صلاحية المسؤول للمنصب أو عدم صلاحيته.
وليس المقصود من هذه الملاحظات أن الخطأ اللغوي يسقط حق الكاتب في النقد؛ فهذا سيكون بدوره حكمًا غير منصف. وإنما المقصود أن من يجعل اللغة معيارًا للحكم على الآخرين، يجدر به أن يتحلى بأكبر قدر من الدقة في لغته، وأن يلتزم في نقده بالموضوعية والإنصاف، وألا يستبدل الحجة بالسخرية أو التقييم المهني بالتجريح الشخصي.
فاللغة وسيلة للتواصل والتعبير، وليست وحدها مقياسًا للعلم أو الثقافة أو الكفاءة، كما أن سلامة العبارة لا تعني بالضرورة سلامة الفكرة، مثلما أن وقوع الكاتب في هفوة لغوية لا يبطل بالضرورة حجته.
رابعًا: تجكانت وتاريخ من العلم والتجارة والمجد
أما إقحام قبيلة تجكانت في سياق التهكم والتشهير، فهو أمر لا ينسجم مع الموضوعية ولا مع أخلاق الاختلاف.
ولعل ما يستحق التأكيد هنا أن تجار تجكانت وعلماءها ليسوا موضع اعتزاز أبناء القبيلة وحدهم، بل هم جزء من الذاكرة العلمية والثقافية التي تعتز بها موريتانيا بمختلف مكوناتها. فقد أسهموا في نشر العلم والثقافة العربية الإسلامية، وربطوا البلاد بفضاءات واسعة من التواصل التجاري والعلمي، وتركوا آثارًا يحق للأجيال الموريتانية أن تفخر بها.
ومن الشواهد التي يستحضرها الموريتانيون باعتزاز أبيات العلامة الشاعر المختار ولد بونه:
«ونحن ركبٌ من الأشراف منتظمُ
أجلُّ ذا العصرَ قدرًا دون أدنانا
قد اتخذنا ظهور العيس مدرسةً
بها نبيّن دين الله تبيانًا».
وتتجاوز دلالة هذه الأبيات حدود المفاخرة القبلية؛ فهي تستحضر قيمة العلم والرحلة في طلبه، وتبرز الدور الذي أدته الأسفار في نشر المعرفة والثقافة الإسلامية. وقد غدت هذه المعاني جزءًا من الذاكرة الثقافية الموريتانية التي يعتز بها أبناء البلاد بمختلف مكوناتهم.
ومن أعلام تجكانت الذين يُستشهد بهم في هذا السياق محمد الأمين ولد محمد المختار، المعروف بـ«آب»، وأبناء ميّابة، وغيرهم من الشخصيات التي ارتبطت بالذاكرة العلمية والاجتماعية للبلاد.
لقد أسهم العلماء في التعليم والتأليف والإفتاء، كما أسهم التجار والرحالة في فتح طرق التواصل بين المجتمعات، وربطوا المجال الموريتاني بفضاءات أوسع في إفريقيا والمشرق والمغرب. وكان لهذا التداخل بين التجارة والعلم أثر في انتقال المعارف والقيم والثقافة العربية الإسلامية، وفي تعزيز الروابط بين الشعوب.
ومن هنا، فإن اتخاذ التجارة وسيلة للتعيير، أو اختزال تاريخ تجكانت في صورة نمطية عن تجار في أنغولا، ينطوي على إجحاف بحق تاريخ اجتماعي وثقافي أوسع من هذه الصورة بكثير. فالتجارة الشريفة ليست نقيصة، بل كانت سبيلًا للرزق والتواصل ونقل المعارف، وتكامل دورها مع دور العلماء في بناء الحياة الثقافية والدينية.
إن تجكانت، مثل سائر المكونات الموريتانية، تُقاس مكانتها بما أسهم به أبناؤها في تاريخ الوطن، لا بالصورة النمطية التي يحاول البعض إلصاقها بها. والاعتزاز بتاريخها لا يعني الانتقاص من غيرها، بل يؤكد أن تاريخ موريتانيا تاريخ مشترك، صنعته جهود قبائلها ومجموعاتها الاجتماعية مجتمعة.
خامسًا: رفض المحاصصة القبلية يقتضي أيضًا رفض الإساءة القبلية
إن أخطر ما في هذه التدوينة هو الخلط بين نقد المحاصصة القبلية والطعن في قبيلة بعينها.
فإذا كنا نرفض أن تكون القبيلة معيارًا للتعيين والتوزير على حساب الكفاءة والاستحقاق، فعلينا أن نرفض أيضًا أن يصبح الانتماء القبلي سببًا للازدراء والتشهير.
فالمبدأ واحد: لا امتياز لأحد بسبب قبيلته، ولا انتقاص من أحد بسببها.
إن الدولة التي ننشدها هي دولة المواطنة والكفاءة والاستحقاق؛ يُسأل فيها الوزير عن أدائه، وتُقيَّم تجربته بإنجازاته، ويُنتقد تقصيره بالحجة والدليل، بعيدًا عن المحاباة القبلية والخصومات الشخصية.
خاتمة: لننتصر لمعايير الإنصاف قبل أن نطالب بها الآخرين
إن من حق الأستاذ عبد الله أن ينتقد تعيين محمد ولد ببّانه، ومن حقه أن يناقش مدى ملاءمة مؤهلاته لمهام وزارة الثقافة، لكن ليس من الموضوعية أن يتحول هذا النقد إلى سخرية من شخصه أو تعريض بقبيلته، كما أن المطالبة بدولة المعايير تقتضي الالتزام بمعايير الإنصاف والدقة والموضوعية في الخطاب نفسه.
وليس من الإنصاف أن نحاكم الوزير بسبب لغته وحدها، ولا أن نحاكم الناقد بسبب أخطائه اللغوية وحدها؛ وإنما الإنصاف أن نناقش الأفكار بالأدلة، والكفاءة بالمعايير، والأداء بالنتائج.
فلننتقد المسؤولين على أساس الكفاءة والأداء، ولنحفظ للقبائل كرامتها وتاريخها، ولنجعل المواطنة والاستحقاق فوق كل اعتبار. فالدولة التي نريدها لا تقوم على الامتياز القبلي، كما لا تقوم على الإقصاء أو التحقير القبلي، وإنما على العدل والمساواة واحترام الإنسان.
بقلم: سيدي محمد ولد أخليفه






