مقالات وآراء

تنظيم تصدير الثروة الحيوانية: فرصة اقتصادية تستدعي الحذر والتخطيط

بقلم: احمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي
تحتل الثروة الحيوانية مكانة محورية في الاقتصاد الموريتاني، ليس فقط لأنها مصدر رزق لآلاف الأسر، بل لأنها أيضاً أحد أهم الموارد القادرة على دعم الاقتصاد الوطني إذا أُحسن تنظيمها واستغلالها. وفي هذا السياق تأتي التوجيهات التي أصدرها الوزير الأول المختار ولد اجاي بخصوص تأطير وتنظيم تصدير الثروة الحيوانية، وهي خطوة تعكس إدراكاً متزايداً لأهمية هذا القطاع وضرورة الانتقال به من النشاط التقليدي إلى قطاع أكثر تنظيماً وفعالية.
لقد ظل تصدير المواشي يتم لسنوات طويلة في إطار يغلب عليه الطابع العفوي وغير المنظم، وهو ما حرم الاقتصاد الوطني في كثير من الأحيان من الاستفادة الكاملة من العائدات الممكنة لهذا المورد. ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى وضع إطار واضح ينظم عمليات التصدير ويحدد أدوار مختلف الفاعلين في القطاع، بما يسمح بتنشيط الدورة الاقتصادية وجلب المزيد من العملة الصعبة.
غير أن أي محاولة لتنظيم هذا القطاع لا يمكن أن تنجح دون تهيئة المناخ المناسب لذلك. فالأمر لا يتعلق فقط بسن القوانين أو إصدار التعليمات، بل يتطلب بيئة اقتصادية ومؤسسية واضحة تقوم على الشفافية وتكافؤ الفرص بين الفاعلين، إلى جانب تبسيط الإجراءات وتشجيع الاستثمار في هذا المجال.
وقبل كل شيء، يبقى توفير البنية التحتية المناسبة شرطاً أساسياً لنجاح أي سياسة في هذا الاتجاه. فتنظيم التصدير يحتاج إلى مسالخ عصرية، ومحاجر بيطرية مجهزة، ومراكز للتبريد والحفظ، إضافة إلى تحسين شبكات النقل والطرق المؤدية إلى مناطق الإنتاج ومنافذ التصدير. فغياب هذه المقومات قد يحد من قدرة البلاد على الاستفادة الكاملة من إمكاناتها في هذا المجال.
وفي المقابل، ينبغي أن يظل الحفاظ على الثروة الحيوانية أولوية لا تقل أهمية عن تحقيق العائد الاقتصادي. فالتوسع غير المدروس في التصدير قد يؤدي إلى الضغط على القطيع الوطني، وهو ما يفرض اعتماد سياسات متوازنة تضمن الاستغلال الاقتصادي دون المساس باستدامة هذا المورد الحيوي.
كما أن تنظيم التصدير يجب أن يأخذ بعين الاعتبار حماية القدرة الشرائية للمستهلك المحلي. فالسوق الداخلية ينبغي أن تظل في مقدمة الأولويات، وهو ما يستدعي ضمان تلبية حاجياتها قبل توجيه الفائض إلى الأسواق الخارجية. وفي الوقت نفسه، يصبح من الضروري وضع خطة واضحة تهدف إلى زيادة أعداد القطعان وتنميتها عبر تحسين السلالات وتعزيز الخدمات البيطرية وتطوير المراعي وتشجيع الاستثمار في الإنتاج الحيواني.
ومن بين المجالات التي يمكن أن تفتح آفاقاً جديدة للقطاع، يبرز مجال الصناعات المرتبطة بالثروة الحيوانية، وخاصة معالجة الجلود. فموريتانيا تمتلك كميات معتبرة من الجلود التي غالباً ما يتم تصديرها خاماً أو تضيع دون استغلال حقيقي. إن إنشاء مصانع متخصصة في معالجة الجلود يمكن أن يضيف قيمة اقتصادية كبيرة، ويوفر فرص عمل جديدة، ويساهم في تعزيز التكامل بين النشاط الزراعي والصناعي، بما يرفع من القيمة الاقتصادية الإجمالية لقطاع الثروة الحيوانية.
كما أن تطوير هذا القطاع لا ينبغي أن يقتصر على تصدير رؤوس المواشي الحية فقط، بل من المهم العمل على تنويع أشكال التصدير والانتقال تدريجياً نحو تصدير المنتجات ذات القيمة المضافة، مثل اللحوم المذبوحة والمبردة أو المعلبة. فالاكتفاء بتصدير القطعان في شكلها الخام يحرم الاقتصاد الوطني من جزء كبير من العائدات الممكنة، في حين أن تطوير الصناعات التحويلية المرتبطة باللحوم يمكن أن يخلق فرص عمل جديدة ويعزز مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني. كما أن تصدير اللحوم المصنعة يمنح البلاد حضوراً أوسع في الأسواق الدولية ويجعل من الثروة الحيوانية مورداً اقتصادياً أكثر تنوعاً واستدامة.
كما أن أي إصلاح حقيقي للقطاع يجب أن يضع صغار المنمين في صلب الاهتمام، فهم يمثلون العمود الفقري للإنتاج الحيواني في البلاد. غير أن الكثير منهم يواجه صعوبات تتعلق بضعف الإمكانات وغياب الدعم الكافي. ولذلك فإن دعمهم عبر تسهيل الوصول إلى التمويل، وتوفير الأعلاف، وتعزيز الخدمات البيطرية، وتقديم برامج للتكوين والتأطير، يظل شرطاً أساسياً لإنجاح أي سياسة إصلاحية في هذا المجال.
وفي إطار الحفاظ على استدامة القطيع الوطني، يبدو من الضروري أيضاً ترشيد الكميات الموجهة للتصدير ووضع سقف واضح لعدد القطعان المسموح بتصديرها سنوياً، استناداً إلى معطيات دقيقة حول حجم الثروة الحيوانية. فالتوازن بين متطلبات السوق الخارجية والحفاظ على المخزون الوطني يظل عنصراً أساسياً في إدارة هذا المورد.
كما قد يكون من الضروري اعتماد آلية تنظيمية تقوم على تحديد فترات زمنية محددة يتم خلالها التوقف عن تصدير المواشي إلى الخارج، وذلك بهدف حماية القطيع الوطني ومنحه فرصة للتجدد والنمو. فإدارة الثروة الحيوانية بشكل رشيد تقتضي أحياناً إبطاء وتيرة الاستغلال الخارجي خلال بعض المواسم، خاصة في الفترات التي تشهد انخفاضاً في أعداد القطعان أو ضعفاً في المراعي. ويمكن لمثل هذا الإجراء أن يساعد على الحفاظ على التوازن بين متطلبات السوق الخارجية والحاجة إلى صون المخزون الحيواني الوطني، بما يضمن استدامة هذا المورد الحيوي على المدى الطويل.
ولعل من المفيد كذلك الاستفادة من التجارب التي مرت بها قطاعات أخرى، وعلى رأسها قطاع الصيد البحري، حيث أظهرت التجربة أن الاستغلال غير المنظم للموارد قد يؤدي إلى الضغط على المخزون الطبيعي. ومن هنا تبرز أهمية اعتماد سياسات استباقية تضمن إدارة عقلانية ومستدامة للثروة الحيوانية.
كما أن نجاح أي إصلاح في هذا القطاع يبقى رهيناً بمدى التزام الفاعلين فيه بالقواعد المنظمة له. ولهذا تبرز الحاجة إلى توعية المنمين والتجار بأهمية الالتزام بالإجراءات الجديدة، مع تطبيق رقابة فعالة واتخاذ إجراءات ردعية في حق المخالفين، حتى لا تتحول القوانين إلى مجرد نصوص لا تجد طريقها إلى التطبيق.
ومن الأفكار التي قد تسهم في تنظيم القطاع أيضاً اعتماد آلية تفصل بين الفاعلين الذين يوجهون نشاطهم نحو السوق الداخلية وأولئك الذين يرخص لهم بالتصدير إلى الخارج. فمثل هذا التنظيم يمكن أن يساعد في ضبط حركة المواشي داخل السوق، ويضمن تلبية حاجيات الاستهلاك المحلي، وفي الوقت نفسه يسمح بتنظيم عمليات التصدير بشكل يخدم المصلحة الاقتصادية الوطنية.
كما قد يكون من المفيد التفكير في إنشاء شركة وطنية تتولى تنظيم وتسيير عمليات تصدير الثروة الحيوانية، على غرار التجربة المعروفة في قطاع الصيد البحري من خلال الشركة الموريتانية لتسويق الأسماك في نواذيبو. فوجود مؤسسة وطنية مختصة في هذا المجال يمكن أن يساهم في ضبط الأسعار وتنظيم عمليات البيع في الأسواق الخارجية، إضافة إلى الحد من الفوضى التي قد تنشأ عن تعدد الوسطاء وتشتت عمليات التصدير. كما أن إسناد مهمة التصدير لهذه الشركة بشكل حصري من شأنه أن يسمح للدولة بمتابعة أدق لحجم الصادرات وتوجيهها بما يخدم المصلحة الاقتصادية الوطنية، مع ضمان استفادة المنمين والاقتصاد الوطني من عائدات أكثر عدالة وتنظيماً.
إن الإمكانات التي كشف عنها الإحصاء الشامل للثروة الحيوانية لسنة 2024 تؤكد أن موريتانيا تمتلك فرصة حقيقية لتحويل هذا القطاع إلى رافعة اقتصادية مهمة. غير أن تحقيق ذلك يتطلب رؤية متكاملة تقوم على التنظيم الجيد والاستثمار في البنية التحتية وتطوير الصناعات المرتبطة بالقطاع.

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى