بين وجاهة القلق وأفق الطمأنينة

بقلم: أحمد محمد حماده
ليس من السهل أن يمر المرء على ما كتبه الدكتور محمد ولد الراظي دون أن يتوقف. فالنص لا يُقرأ فقط، بل يُحسّ، لما فيه من قلق صادق على شيء نعرف جميعًا هشاشته: التوازن الدقيق الذي يقوم عليه هذا البلد. وربما لهذا السبب بالذات، وجدتني أقرأه أكثر من مرة، لا لأجادله، بل لأفهم من أين ينطلق هذا القلق، وإلى أين يريد أن يصل.
ومن باب الأمانة قبل أي شيء آخر، أجدني ملزمًا بالقول إن الدكتور محمد ولد الراظي يظل قامة فكرية وطنية لها وزنها، ومن الذين أغنوا النقاش العام بجدية ومسؤولية. ولا أخفي أنني لا أرى نفسي في موقع من يرد عليه بقدر ما أكتب هذه السطور كملاحظات عابرة، أو قل كمساهمة متواضعة في نقاش أكبر منا جميعًا، نقاش يفترض أن يبقى مفتوحًا، بلا توتر ولا أحكام مسبقة.
ما لفتني في طرح الدكتور، قبل تفاصيله، هو هذا الربط العميق بين اللغة والهوية. وهو ربط لا يمكن إنكاره، لأن اللغة عندنا ليست مجرد وسيلة، بل جزء من الذاكرة الجماعية، ومن إحساسنا بذاتنا كجماعة. ولذلك، فإن أي حديث عن إعادة ترتيب المشهد اللغوي، لا يمكن أن يُستقبل ببرود، ولا أن يُناقش بخفة.
وفي هذا السياق، أجد أن إثارة مسألة المظالم كانت من أقوى نقاط المقال. فمن الصعب أن نتحدث عن توازن وطني دون الاعتراف بأن هناك من يشعر، بحق أو بغير حق، بأنه لم ينل نصيبه الكامل من الإنصاف. لكن، وفي المقابل، أعتقد أن التعامل مع هذه المظالم يحتاج إلى قدر كبير من الدقة؛ لأن وضعها كلها في سلة واحدة قد يظلمها أكثر مما ينصفها. فليس كل ما يُسمى مظلمة هو بالضرورة من نفس الدرجة، ولا من نفس الطبيعة، ولا حتى من نفس الزمن.
ثم إن ما يشغلني شخصيًا هو كيف يمكن أن نفتح هذا الملف دون أن يتحول إلى سباق في سرد المظلوميّات. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نحاول معالجة اختلال، فنخلق في المقابل شعورًا جديدًا بالغبن لدى طرف آخر. العدالة، كما أفهمها، ليست أن نعطي لهذا لنرضيه ونأخذ من ذاك لنُسكت غضبه، بل أن نبحث عن ميزان يَشعر معه الجميع أن الدولة لا تُفاضل بينهم.
ومن هنا، يبدو لي أن طرح كل المظالم ضروري، لكن الأهم من ذلك هو كيف تُطرح، وكيف تُعالج. فلا معنى لعدالة تُبنى على حساب عدالة أخرى، ولا جدوى من حلول تُهدّئ طرفًا وتُقلق آخر. نحن بحاجة إلى مقاربة تُمسك بالخيط من وسطه، لا من أحد طرفيه.
ولا يقل وجاهة عن ذلك الطرح، التأكيد على أن تُترجم مكانة اللغة العربية عمليًا كلغة إدارة جامعة، لا باعتبارها مجرد خيار سياسي، بل بوصفها معطى حضاريًا يحظى بإجماع واسع. فالعربية في موريتانيا ليست لغة فئة دون أخرى، بل لغة تشكّلت حولها وجدان مختلف المكونات، بحكم الارتباط العميق بالدين الإسلامي، ولغة القرآن الكريم التي نهلت منها الأجيال عبر المحظرة والمسجد والتعليم التقليدي. ومن هنا، فإن ترسيخ حضورها في الإدارة لا ينبغي أن يُفهم كإقصاء، بل كتكريس لقاسم مشترك، يمكن أن يشكّل أرضية صلبة لوحدة رمزية وثقافية، على أن يتم ذلك في إطار متوازن يضمن في الوقت ذاته إنصاف بقية اللغات الوطنية وصون مكانتها في مجالاتها الحيوية.
ومن زاويتي الخاصة، أرى كذلك أن جزءًا من تعقيد هذا النقاش يعود إلى أننا لا نزال نفكر أحيانًا بمنطق إيديولوجي لم تعد شروطه قائمة كما كانت. فالمعطيات تغيرت، والسياقات تبدلت، والبلد نفسه لم يعد هو ذاته قبل عقود. ولذلك، فإن الاستمرار في مقاربة هذه القضايا بعقلية القوالب الجاهزة، سواء كانت قومية أو ثقافوية أو حتى دفاعية، قد يجعلنا نقرأ الواقع بعيون الأمس، لا بوعي الحاضر. ما نحتاجه اليوم—في تقديري—هو قدر أكبر من المرونة، ومن الجرأة على إعادة التفكير، دون أن يعني ذلك التفريط في الثوابت، بل إعادة فهمها في ضوء واقع متحرك. فليس كل ما كان يصلح بالأمس يصلح اليوم، كما أن التمسك بالأجوبة الجاهزة قد يحجب عنا أسئلة أكثر أهمية.
ومع ذلك، ورغم تفهمي الكبير لهذا القلق الذي عبّر عنه الدكتور، لا أستطيع أن أذهب معه بالكامل إلى النتائج التي يلمّح إليها. ليس لأن تلك السيناريوهات مستحيلة، بل لأنها، في تقديري، ليست حتمية. فالتاريخ لا يتحرك دائمًا في الاتجاه الذي نخافه، كما لا يسير بالضرورة في الاتجاه الذي نريده. بين هذا وذاك، هناك مساحة للفعل، للتدبير، وللعقل.
قد يكون في ترسيم اللغات الوطنية، كما يُطرح اليوم، ما يدعو إلى الحذر، لكن قد يكون فيه أيضًا ما يستحق التفكير بهدوء، بعيدًا عن منطق التخويف أو التبشير. فهناك من يرى فيه محاولة لاحتواء التنوع داخل الدولة، بدل أن يظل خارجها أو في مواجهتها. وهذا طرح، حتى إن اختلفنا معه، لا ينبغي أن نختزله في أسوأ تأويلاته.
أما الحديث عن العودة إلى الفرنسية كحل جاهز، فهو احتمال مفهوم في خلفيته، لكني أميل إلى الاعتقاد أن مستقبلنا اللغوي يجب أن يُحسم هنا، بيننا، لا في أي مكان آخر. ليس بدافع الشعارات، بل بدافع الثقة في قدرتنا على تدبير اختلافاتنا بأنفسنا.
في النهاية، ما خرجت به من قراءة هذا النقاش كله هو أن المشكلة ليست في القلق، بل في ما نفعل به. القلق قد يكون ضروريًا، بل مفيدًا أحيانًا، لكنه إن تحول إلى يقين، أغلق باب التفكير.
وبين من يخاف كثيرًا، ومن يطمئن أكثر مما ينبغي، أظن أن الطريق الأجدر هو ذلك الطريق الذي نسير فيه بحذر، نعم، لكن دون أن نتوقف.
فهذا البلد، على كل ما فيه، لا يزال قادرًا—في نظري—على أن يجد طريقه، إذا قررنا فقط أن نفكر معًا، لا ضد بعضنا.
وفي الختام، لا يسعني إلا أن أجدد اعتذاري إن بدت بعض هذه الملاحظات وكأنها مجاراة أو تعقيب على مقام أرفع وأجدر بالتقدير. فالدكتور محمد ولد الراظي يظل، في نظري، أستاذًا وقامة فكرية ننهل من طرحها قبل أن نختلف معها. وما كتبته هنا لا يتجاوز حدود الاجتهاد الشخصي، الذي قد يصيب وقد يخطئ، لكنه يظل محكومًا بواجب الاحترام والتقدير، وبقناعة راسخة أن الاختلاف في الرأي لا ينقص من المكانة، بل يثريها، ولا يباعد بيننا بقدر ما يفتح أفقًا أوسع للفهم المشترك







