بين ضبط النفس وضرورة الحزم: إلى متى يظل الموريتانيون هدفًا في مالي؟

بقلم : احمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي
ما يجري اليوم على طول الحدود الموريتانية-المالية لم يعد مجرد حوادث معزولة يمكن تبريرها بذريعة “تعقيد الوضع الأمني”، بل أصبح ظاهرة متكررة ومقلقة، تضع الدولة الموريتانية أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على حماية مواطنيها خارج حدودها.
وقد تميز البيان الصادر عن وزارة الشؤون الخارجية بوضوح لهجته وقوة تعبيره، إذ عبّر عن “بالغ الاستنكار” و“عميق الانشغال” إزاء التطورات الأمنية الخطيرة التي أودت بحياة خمسة مواطنين موريتانيين. كما دعا، وبحق، السلطات المالية إلى تحمل كامل مسؤولياتها من خلال فتح تحقيقات عاجلة وشفافة وذات مصداقية.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل تكفي قوة الكلمات، مهما بلغت، لوقف هذا التكرار؟
فمنذ أربع سنوات، يتعرض موريتانيون في بعض مناطق مالي لانتهاكات متكررة، في سياق أمني هش تتداخل فيه هشاشة الدولة مع انتشار الجماعات المسلحة. غير أن هذا التعقيد، على أهميته، لا يمكن أن يكون مبررًا للإفلات من العقاب أو للتساهل مع استهداف المدنيين.
وقد سجل البيان تطورًا لافتًا بإشارته الصريحة إلى احتمال ترتب “مسؤولية دولية” على الجهات المعنية في حال استمرار هذه الأعمال، وهو ما يعكس انتقالًا تدريجيًا من مجرد الإدانة إلى التلويح بأدوات قانونية ودبلوماسية أكثر صرامة.
كما أن تأكيد موريتانيا على حقها في اتخاذ “جميع التدابير المناسبة وفقًا للقانون الدولي” يفتح الباب أمام خيارات متعددة، تتراوح بين الضغط الدبلوماسي وإجراءات أكثر حزمًا إذا استدعت الضرورة ذلك. غير أنه من المهم التأكيد على أن هذا التوجه لا يعني الدعوة إلى الدخول في مواجهة عسكرية مع مالي، إذ إن مثل هذا الخيار لا يخدم مصالح الشعبين ولا استقرار المنطقة. في المقابل، بات من الضروري التفكير في خطوات ضاغطة مدروسة ومتدرجة، خاصة وأن موريتانيا تمتلك من أوراق الضغط الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية ما يكفي للدفاع عن مواطنيها دون الانزلاق إلى منطق التصعيد العسكري.
ومع ذلك، فإن التشبث بخيار الحوار والتعاون الإقليمي يعكس حرصًا على الحفاظ على توازن العلاقات الثنائية والمصالح الأمنية المشتركة، وهو موقف مفهوم، لكنه يفرض معادلة دقيقة بين الحكمة الدبلوماسية ومتطلبات السيادة.
وعلى الصعيد الداخلي، فإن دعوة المواطنين، خصوصًا في المناطق الحدودية، إلى توخي الحذر تعكس خطورة الوضع، كما تطرح إشكالية أعمق تتعلق بمصير الجاليات الموريتانية المرتبطة تاريخيًا واجتماعيًا بتلك المناطق الحدودية.
وقد يُقال إن وجود جالية موريتانية في مالي يفرض نوعًا من التحفظ، غير أن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن حماية الأرواح تتقدم على كل اعتبار. وإذا تعذر ضمان الأمن، فإن العودة إلى الوطن تصبح خيارًا مشروعًا بل وضروريًا، خاصة وأن ميزان المصالح الإقليمية قد يجعل حاجة مالي إلى موريتانيا أكبر من العكس.
في المحصلة، تبدو موريتانيا اليوم عند مفترق طرق:
إما مواصلة سياسة ضبط النفس مع تشديد الخطاب،
أو الانتقال إلى مرحلة يصبح فيها الفعل موازيًا للكلمة.
فهل تكتفي نواكشوط هذه المرة ببيان قوي؟
أم أن الظرف يفرض ما هو أبعد من البيانات؟







