مقالات وآراء

بين الفرصة والاختبار: تداعيات صفقة تصدير الأغنام على الداخل الموريتاني

بقلم أحمد محمد حماده / كاتب ومحلل سياسي
تشكل المناقصة الجزائرية لشراء مليون رأس من الأغنام من موريتانيا حدثاً اقتصادياً بارزاً يفتح آفاقاً واعدة للصادرات الوطنية، غير أن هذا التطور، رغم ما يحمله من فرص، يثير في المقابل جملة من التحديات الداخلية التي تفرض قراءة متأنية لتداعياته الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية. فالرهان الحقيقي لا يكمن في حجم الصفقة بقدر ما يتمثل في قدرة الدولة على إدارة آثارها بما يحقق التوازن بين المكاسب التجارية والاستقرار الداخلي، وهو ما يجعل هذه الخطوة تقف بالفعل بين منطق الفرصة ومنطق الاختبار.
إن أولى الإشكالات المطروحة تتعلق باحتمال تأثير هذه الصفقة على الأسعار في السوق المحلية. فتصدير مليون رأس من الأغنام يمثل رقماً كبيراً مقارنة بحجم العرض المتاح سنوياً، ما قد يؤدي إلى تراجع المعروض داخل البلاد وارتفاع أسعار اللحوم، وهو ما ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة الفئات الهشة. ويزداد هذا التحدي حساسية في ظل الطابع الاجتماعي للمنتجات الحيوانية باعتبارها جزءاً أساسياً من الاستهلاك اليومي، فضلاً عن ارتباطها بالمواسم الدينية التي تشهد ارتفاعاً تقليدياً في الطلب. ومن ثم فإن غياب تنظيم دقيق لعملية التصدير قد يفضي إلى مفارقة اقتصادية تتمثل في تحقيق عائدات خارجية مقابل ضغوط اجتماعية داخلية.
كما يبرز تحدٍ آخر يتعلق بالحفاظ على التوازن الحيوي للقطيع الوطني. فالقطاع الرعوي في موريتانيا يعتمد بدرجة كبيرة على دورات طبيعية مرتبطة بالمراعي والتساقطات المطرية، وأي سحب مكثف للقطعان في فترة زمنية محدودة قد يؤثر على مخزون التكاثر ويضعف القدرة الإنتاجية للقطاع على المدى المتوسط والبعيد. ويطرح هذا الواقع تساؤلات جوهرية حول مدى توفر معطيات إحصائية دقيقة لحجم الثروة الحيوانية الوطنية، وحول قدرة السياسات العمومية على ضمان استدامة الموارد الرعوية في ظل الطلب الخارجي المتزايد، خاصة في سياق يتسم بتحديات مناخية متكررة في منطقة الساحل.
وتتصل هذه الإشكالات أيضاً بمسألة تنظيم السوق وضمان العدالة في توزيع المكاسب الاقتصادية. فالصفقات الكبرى غالباً ما تثير مخاوف مرتبطة باحتكار الاستفادة من قبل كبار الفاعلين الاقتصاديين أو الوسطاء، على حساب المربين الصغار الذين يشكلون العمود الفقري للقطاع. وفي غياب آليات شفافة للتجميع والتسعير والرقابة، قد تنشأ اختلالات سوقية تؤدي إلى المضاربة ورفع الأسعار بشكل اصطناعي، مما يعمق الفوارق الاقتصادية داخل القطاع ويؤثر على استقراره. وهنا يبرز دور الدولة ليس فقط كجهة راعية للتبادل التجاري، بل كفاعل منظم يضمن التوازن بين مختلف الأطراف ويحمي المصالح الوطنية.
ولتجاوز هذه التحديات المحتملة وتحويل الصفقة إلى مكسب وطني حقيقي، يقتضي الأمر اعتماد مقاربة شمولية قائمة على التخطيط والتنظيم والاستباق. ويشمل ذلك وضع آليات دقيقة لتنظيم عمليات التصدير عبر تحديد سقوف مدروسة تضمن تلبية حاجيات السوق المحلية أولاً، وتعزيز نظم الإحصاء والمتابعة لرصد حجم القطيع الوطني وتطوراته، إلى جانب دعم المربين الصغار وحمايتهم من المضاربة والاحتكار من خلال آليات شفافة للتجميع والتسعير. كما يتطلب الأمر الاستثمار في تطوير البنية التحتية البيطرية واللوجستية، وتحسين إدارة المراعي، وتعزيز برامج دعم الأعلاف والتأمين الرعوي لضمان استدامة القطاع. وفي المدى الاستراتيجي، ينبغي توجيه الجهود نحو تثمين الثروة الحيوانية عبر تطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بها، بما يسمح بالانتقال من تصدير الموارد الخام إلى إنتاج قيمة مضافة تعزز السيادة الاقتصادية وتحقق تنمية مستدامة تخدم مصالح الوطن على المدى الطويل.
ومن جهة أخرى، تطرح الصفقة تحديات لوجستية وصحية مرتبطة بقدرة البنية التحتية الوطنية على إدارة عمليات تصدير بهذا الحجم. فنجاح العملية يتطلب منظومة متكاملة تشمل المراقبة البيطرية، ونقاط الحجر الصحي، وشبكات النقل المؤمنة، والالتزام بالمعايير الصحية الدولية. وأي قصور في هذه الجوانب قد لا يقتصر أثره على الصفقة الحالية، بل قد يؤثر على سمعة المنتج الموريتاني في الأسواق الخارجية ويحد من فرص التوسع في المستقبل.
ويبرز في هذا السياق أيضاً البعد الاستراتيجي المرتبط بالأمن الغذائي الوطني، الذي أصبح يشكل أحد مرتكزات السيادة الاقتصادية للدول في ظل الاضطرابات الإقليمية والتقلبات المناخية. فالتوسع في التصدير دون تحديد سقف آمن يحفظ حاجيات السوق المحلية قد يعرّض الاستقرار الاجتماعي لمخاطر غير محسوبة، خاصة إذا تزامن ذلك مع أزمات بيئية أو اقتصادية طارئة. ومن هنا تبرز ضرورة تبني سياسات توازن واضحة تضمن الاستفادة من الفرص التصديرية دون الإخلال بالمتطلبات الأساسية للسوق الوطنية.
وتكشف هذه التطورات في عمقها عن إشكالية أوسع تتعلق بطبيعة إدارة قطاع الثروة الحيوانية في موريتانيا، ومدى الانتقال من نمط تقليدي يعتمد على الاستغلال المباشر للموارد إلى رؤية استراتيجية قائمة على التخطيط طويل المدى وتثمين القيمة المضافة. فالرهان المستقبلي لا ينبغي أن يقتصر على تصدير الماشية الحية، بل يتجاوز ذلك إلى تطوير الصناعات المرتبطة بها، وتعزيز الاستثمار في الأعلاف والتخزين، وتحسين نظم الإحصاء والتأمين الرعوي، بما يسمح ببناء قطاع مستدام قادر على التكيف مع التحولات الاقتصادية والإقليمية.
إن الصفقة الجزائرية، رغم أهميتها الاقتصادية، تمثل في جوهرها اختباراً لقدرة السياسات العمومية على إدارة التحولات الكبرى التي يشهدها الاقتصاد الوطني. فالنجاح الحقيقي لن يقاس بحجم القطيع المصدر، بل بمدى قدرة الدولة على الحفاظ على استقرار السوق الداخلية، وضمان استدامة الموارد الحيوانية، وتحقيق العدالة في توزيع العوائد، وحماية الأمن الغذائي الوطني. فالمكاسب الاقتصادية، مهما بلغت أهميتها، تظل رهينة بحسن إدارة آثارها، وبقدرة الدولة على تحويل الفرص الظرفية إلى مسارات تنموية مستدامة.

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى