بين الدعم الدولي وإكراهات الواقع: هل ينجح إصلاح التعليم في موريتانيا؟

بقلم: أحمد محمد حماده / كاتب و محلل سياسي
لقاء وزيرة التربية وإصلاح النظام التعليمي، هدى باباه، بوفد من صندوق النقد الدولي، برئاسة فيليكس فيشر، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد محطة بروتوكولية عابرة، بل يعكس تداخلاً متزايدًا بين مسار الإصلاحات الوطنية والاهتمام الدولي بجودة رأس المال البشري في موريتانيا.
من الواضح أن التركيز لم يعد منصبًا فقط على المؤشرات الاقتصادية الصرفة، بل بدأ يمتد إلى القطاعات الاجتماعية الحيوية، وعلى رأسها التعليم، باعتباره أحد مفاتيح الاستقرار والتنمية طويلة المدى. وفي هذا السياق، فإن استعراض التقدم المحرز منذ اعتماد القانون التوجيهي التربوي سنة 2022 يطرح سؤالًا جوهريًا: هل استطاعت هذه الإصلاحات أن تنتقل من مستوى النصوص إلى واقع الفصول الدراسية؟ يُعدّ هذا القانون إطارًا مرجعيًا لإعادة بناء المنظومة التعليمية على أسس أكثر انسجامًا مع متطلبات التنمية، حيث كرّس مبدأ إلزامية التعليم الأساسي ومجانيته، وسعى إلى توحيد المدرسة الجمهورية كفضاء جامع يحدّ من الازدواجية ويعزز العدالة الاجتماعية. كما أولى أهمية خاصة لجودة المضامين التربوية عبر مراجعة المناهج وتطوير تكوين المدرسين، مع اعتماد مقاربة تدريجية لتدريس اللغات توازن بين ترسيخ الهوية الوطنية والانفتاح على اللغات الأجنبية، إلى جانب تأكيده على الحكامة الرشيدة من خلال تعزيز اللامركزية وتوسيع صلاحيات الفاعلين المحليين، وربط التعليم بالتكوين المهني وسوق العمل.
أما بخصوص طبيعة الدعم المنتظر من صندوق النقد الدولي، فإنه غالبًا لا يأخذ شكل تمويل مباشر لقطاع التعليم بقدر ما يتمثل في مواكبة فنية وإطار عام للسياسات العمومية، من خلال دعم الاستقرار الماكرو-اقتصادي، وتعزيز كفاءة الإنفاق العمومي، وتقديم المشورة بشأن إصلاحات الحكامة والشفافية. وبعبارة أخرى، فإن أثره على التعليم يمرّ عبر تحسين بيئة التمويل العمومي وتوجيه الموارد نحو القطاعات ذات الأولوية، وليس عبر تدخل قطاعي مباشر على غرار بعض الشركاء التنمويين. غير أن هذا النوع من الدعم لا يخلو من إكراهات، إذ غالبًا ما يكون مصحوبًا بجملة من الاشتراطات المرتبطة بضبط العجز، وترشيد النفقات، وإعادة هيكلة بعض بنود الميزانية، وهو ما قد يفرض ضغوطًا غير مباشرة على الإنفاق الاجتماعي إذا لم تُحسن الدولة إدارة التوازنات. فبين ضرورات الانضباط المالي ومتطلبات الاستثمار في التعليم، تبرز معادلة دقيقة: كيف يمكن الحفاظ على وتيرة الإصلاح التربوي وتمويله بشكل كافٍ، دون الوقوع تحت تأثير سياسات تقشفية قد تُضعف أثره أو تؤخر نتائجه؟
أما عن سجل صندوق النقد الدولي في دعم قطاع التعليم، فيُلاحظ أن تدخله كان في الغالب غير مباشر، من خلال برامجه الأوسع الهادفة إلى دعم الاقتصاد الكلي وتعزيز استدامة المالية العمومية. ففي حالات عديدة، بما فيها موريتانيا، ساهمت برامج الصندوق في إعادة توجيه الإنفاق نحو القطاعات الاجتماعية ذات الأولوية، عبر تحسين تعبئة الموارد، وضبط النفقات غير المنتجة، وتعزيز الشفافية في إدارة الميزانية. كما شجّع على حماية ما يُعرف بـ”الإنفاق الاجتماعي الأساسي”، والذي يشمل التعليم، ضمن شروط برامجه الإصلاحية. غير أن أثر هذا الدعم ظل مرتبطًا بمدى التزام الحكومات بتخصيص الموارد فعليًا للقطاع، ما يعني أن الصندوق يوفّر الإطار المالي والسياساتي، بينما يبقى التنفيذ العملي للإصلاحات التعليمية مسؤولية وطنية بالدرجة الأولى.
وفي خضمّ هذه التحديات المتشابكة، يبرز خيار سياسي حاسم يتمثل في تبنّي مقاربة واضحة تُقدّم التعليم كأولوية وطنية تتقدم على باقي القطاعات، رغم ما لها من أهمية استراتيجية. فالتجارب الدولية تُظهر أن الاستثمار في التعليم ليس بندًا إنفاقيًا عاديًا، بل هو استثمار مؤسِّس يعيد تشكيل بقية القطاعات على المدى المتوسط والبعيد، من خلال إعداد رأس مال بشري قادر على رفع الإنتاجية وتعزيز الابتكار وتحسين الحوكمة. ومن ثم، فإن ترجيح كفة التعليم في السياسات العمومية—من حيث التمويل، والتشريع، والتعبئة السياسية—لا يعني إهمال القطاعات الأخرى، بل يشكّل رافعة لها جميعًا. غير أن نجاح هذا التوجه يظل رهينًا بترجمته إلى خيارات ميزانية جريئة، وآليات تنفيذ فعّالة، تضمن ألا يبقى شعار “التعليم أولًا” مجرد خطاب، بل يتحول إلى واقع ملموس ينعكس في جودة المدرسة ومخرجاتها.
وفي سياق التحديات البنيوية التي تواجه إصلاح التعليم، يبرز ملف الموارد البشرية كأحد أكثر الإشكالات حساسية، خاصة مع التوسع الملحوظ في اكتتاب المدرسين العقدويين مقابل تراجع توظيف المدرسين الرسميين. هذا التحول، وإن كان يُبرَّر أحيانًا باعتبارات المرونة وتقليص كلفة الأجور على المدى القصير، يطرح تساؤلات جدية حول استقرار المنظومة وجودة مخرجاتها، إذ إن هشاشة الوضعية المهنية للعقدويين قد تؤثر على مستوى الالتزام، والتكوين المستمر، والاستقرار الوظيفي داخل المؤسسات التعليمية. كما أن تقليص حضور الكادر الرسمي يضعف تدريجيًا تقاليد الخدمة العمومية داخل القطاع، ويهدد بتحول المدرسة إلى فضاء هشّ يعتمد على حلول ظرفية بدل بناء كفاءات دائمة ومؤهلة. ومن ثم، فإن تحقيق التوازن بين متطلبات الكفاءة المالية وضمان جودة التعليم يقتضي إعادة النظر في هذه المقاربة، بما يضمن تثمين الموارد البشرية باعتبارها حجر الزاوية في أي إصلاح تربوي جاد.
وفي امتداد هذه التحولات، يبرز تحدٍّ آخر يتمثل في الضغط المتزايد على التعليم الأساسي، نتيجة تكريس خيار حصره في المدرسة العمومية ضمن مقاربة “المدرسة الجمهورية”. فهذا التوجه، رغم ما يحمله من أهداف نبيلة تتعلق بتعزيز العدالة والمساواة وتوحيد الفضاء التربوي، أدى عمليًا إلى تدفق أعداد كبيرة من التلاميذ نحو المدارس العمومية، في ظل بنية تحتية وقدرات استيعابية لم تُواكب هذا التحول بالوتيرة نفسها. وهو ما انعكس في اكتظاظ الفصول، وارتفاع نسب التأطير، وتزايد الضغط على المدرسين والموارد التعليمية، بما قد يؤثر على جودة التحصيل الدراسي. ومن ثم، فإن نجاح هذا الخيار يظل مشروطًا بمدى قدرة الدولة على الاستثمار الموازي في البنية التحتية والتأطير التربوي، حتى لا يتحول مبدأ تكافؤ الفرص إلى عبء عملي يهدد فعالية المنظومة بدل تعزيزها.
ويُضاف إلى هذه التحديات عامل لا يقل تأثيرًا، يتمثل في الوضعية المادية للمدرس، التي رغم ما شهدته من بعض التحسينات خلال السنوات الأخيرة، ما تزال دون مستوى التطلعات ومتطلبات العيش الكريم. هذا الواقع يدفع عددًا معتبرًا من المدرسين إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، غالبًا عبر العمل في مؤسسات تعليمية خصوصية، أو تقديم دروس موازية، في محاولة لتعويض الفارق. غير أن هذا التشتت المهني ينعكس بشكل مباشر على جودة العطاء داخل المدرسة العمومية، حيث يتوزع الجهد والوقت بين أكثر من التزام، بما يحدّ من التركيز والاستقرار الذهني الضروريين للعمل التربوي. وهنا تتجلى مفارقة دقيقة: فالإصلاح الذي يراهن على المدرس كركيزة أساسية، يظل مهددًا ما لم تُعالج أوضاعه الاجتماعية والمادية بما يضمن له التفرغ، ويعيد الاعتبار لمكانته داخل المنظومة التعليمية.
كما يبرز تحدٍّ عملي آخر لا يقل أهمية، يتمثل في العجز الملحوظ في توفير الكتاب المدرسي بمختلف عناوينه المقررة، رغم الجهود المبذولة في هذا المجال. ويظهر هذا الإشكال بوضوح من خلال الدور الذي يضطلع به المعهد التربوي الوطني، الذي يتحمل مسؤولية مركزية في إعداد وطباعة وتوزيع المقررات، في ظل موارد مالية محدودة لا تتناسب مع حجم الطلب واتساع رقعة المنظومة التعليمية. هذا التفاوت بين جسامة المهمة وضعف الإمكانات ينعكس في تأخر وصول الكتب، أو عدم توفر بعضها، وهو ما يفرض على المدرسين والتلاميذ الارتجال بوسائل بديلة قد لا تضمن نفس الجودة أو التكافؤ. غير أن معالجة هذا الخلل لا تقتصر على زيادة الموارد فحسب، بل تستدعي أيضًا إعادة النظر في الدور الوظيفي للمؤسسة نفسها؛ إذ يبرز خيار إعادة هيكلة المعهد التربوي الوطني كمدخل استراتيجي لا غنى عنه، من خلال تزويده بالوسائل المالية والبشرية والتقنية التي تمكّنه من الاضطلاع بدور أوسع وأشمل. فوظيفة المعهد ينبغي ألا تظل محصورة في إعداد وطباعة وتوزيع الكتاب المدرسي، بل تمتد لتشمل المساهمة الفعلية في تكوين المدرسين وتأطيرهم، وإنتاج الأدلة البيداغوجية، والمشاركة في بلورة السياسات والاستراتيجيات التربوية، وإنجاز الدراسات التقييمية التي تواكب الإصلاح وتقيس أثره. وفي هذا الإطار، يبرز كذلك خيار إنشاء مطبعة وطنية حديثة تمتلك من القدرات التقنية والإنتاجية ما يتيح الاستغناء التدريجي عن طباعة الكتب المدرسية في الخارج، بما يعزز السيادة التربوية ويضمن مرونة أكبر في توفير المقررات في الوقت المناسب، مع تقليص الكلفة والاعتماد على الخارج.
كما تتجلى إحدى الثغرات البنيوية في محدودية التأطير التربوي، نتيجة النقص الملحوظ في أعداد المفتشين والمستشارين التربويين، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة المتابعة والتوجيه داخل المؤسسات التعليمية. فضعف التأطير لا يقتصر أثره على غياب المواكبة البيداغوجية للمدرسين، بل يمتد إلى اختلال آليات التقييم والتقويم، بما يحدّ من قدرة المنظومة على تصحيح مساراتها بشكل دوري. ويزداد هذا التحدي تعقيدًا بفعل اتساع الرقعة الجغرافية لموريتانيا، وتشتت المدارس عبر مناطق نائية ومتباعدة، في ظل نقص الوسائل اللوجستية الضرورية للتنقل، ما يجعل مهام التأطير الميداني صعبة وغير منتظمة. وبذلك، فإن تعزيز الموارد البشرية التأطيرية وتوفير وسائل العمل الملائمة يظل شرطًا أساسيًا لضمان فعالية الإصلاح، وتحويله من توجه نظري إلى ممارسة تربوية متماسكة على امتداد التراب الوطني.
إبداء بعثة صندوق النقد الدولي استعدادها لمواكبة القطاع يحمل دلالتين متوازيتين:
الأولى، اعتراف ضمني بأهمية ما تحقق حتى الآن.
الثانية، إقرار بوجود تحديات بنيوية ما تزال قائمة، خاصة في ما يتعلق بتوسيع الولوج إلى التعليم وتحسين جودته.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في الدعم الفني أو المالي، بل في قدرة المنظومة الوطنية على استيعاب هذا الدعم وتحويله إلى نتائج ملموسة. فالإصلاح التعليمي، بطبيعته، عملية تراكمية ومعقدة، تتطلب انسجامًا بين السياسات، وكفاءة في التنفيذ، واستمرارية في التقييم.
في النهاية، يظل السؤال الأهم:
هل ستنجح موريتانيا في تحويل هذا التقاطع بين الإرادة السياسية والدعم الدولي إلى تحول فعلي في جودة التعليم، أم سيظل الإصلاح أسير المقاربات النظرية والتحديات الهيكلية التي تعيق تجسيده على أرض الواقع؟







