مقالات وآراء

بين الأمن والتنمية: التحولات الجديدة في التنسيق العسكري بين موريتانيا والجزائر

بقلم: أحمد محمد حمادة
كاتب ومحلل سياسي

لا يمكن اختزال زيارة الوفد العسكري الموريتاني إلى الجزائر في مجرد محطة بروتوكولية ضمن أعمال اللجان المشتركة، بل تعكس في جوهرها تحولًا تدريجيًا في المقاربات الأمنية لدى البلدين، في ظل بيئة إقليمية تتسم بسيولة التهديدات وتداخلها المتزايد مع الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية.

إن الاجتماعات التي عُقدت بمقر قيادة أركان الجيش الجزائري، وما رافقها من تقييم للأنشطة السابقة واستشراف للبرامج المستقبلية، تكشف عن إرادة واضحة للانتقال من مستوى التعاون التقني المحدود إلى أفق تنسيق استراتيجي أشمل. تنسيقٌ يواكب التحولات المتسارعة في الفضاء الساحلي-الصحراوي، حيث لم تعد إدارة الحدود شأنًا عسكريًا صرفًا، بل أصبحت مسألة مركبة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والتنمية والإدارة البشرية للمجال.

وفي هذا السياق، يبرز التنقيب الأهلي عن الذهب كأحد أبرز التحديات المطروحة على جدول الأعمال الثنائي. فقد تحولت المناطق الشمالية من موريتانيا، التي ظلت لفترة طويلة هامشية، إلى نقاط جذب لآلاف المنقبين، من بينهم أعداد متزايدة من الأجانب القادمين من دول إفريقية تعاني من هشاشة اقتصادية وأمنية. وقد أفرز هذا الواقع فضاءات جديدة، تتداخل فيها أنشطة الاقتصاد غير المنظم مع مقتضيات السيادة، مما يضع آليات الضبط التقليدية أمام اختبار حقيقي.

وتندرج المخاوف التي تبديها الجزائر بشأن تسلل منقبين أجانب عبر الأراضي الموريتانية ضمن رؤية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المناطق الحدودية. فمن منظور الجزائر، فإن أي نشاط غير خاضع للتنظيم في هذه المناطق الحساسة يمثل ثغرة محتملة يمكن أن تستغلها شبكات عابرة للحدود أكثر تنظيمًا.

وعلى المستوى الإقليمي، تكشف طرق التعامل مع هذه الظاهرة عن تباينات لافتة. فقد شهدت بعض المناطق المجاورة حوادث دامية استهدفت منقبين، نُسبت إلى تدخلات عسكرية مغربية ضمن مقاربة تقوم على الحزم الميداني، حيث يُقابل أي تسلل إلى مناطق حساسة بردّ فوري. في المقابل، تبدو المقاربة الجزائرية، رغم صرامتها في ضبط الحدود، أكثر ميلاً إلى اعتماد أساليب الردع والتوقيف والإبعاد، مع تقليص اللجوء إلى القوة المميتة. ويعكس هذا التباين اختلافًا في فلسفة إدارة المجال الحدودي: بين نهج يرتكز على الردع المباشر، وآخر يسعى إلى الموازنة بين مقتضيات السيادة وتقليل الكلفة الإنسانية في بيئات شديدة الهشاشة.

في ضوء هذه المعطيات، تجد موريتانيا نفسها أمام معادلة دقيقة. فالتنقيب الأهلي يمثل مصدر دخل أساسي لآلاف المواطنين، ويؤدي دورًا مهمًا في امتصاص الضغوط الاجتماعية في مناطق تعاني من محدودية الفرص الاقتصادية. غير أن توسعه غير المنظم، خاصة مع تدفق الأجانب، قد يتحول سريعًا إلى مصدر توتر أمني ودبلوماسي، مما يفرض على الدولة إعادة ضبط هذا القطاع وتعزيز أدوات الرقابة عليه.

وتجسد الحملة التي نُفذت مؤخرًا في ولاية تيرس زمور، والتي استهدفت المنقبين الأجانب في وضعية غير قانونية وأسفرت عن ترحيل المئات منهم، هذا التحول في المقاربة. فهي تعكس إرادة واضحة لاستعادة السيطرة على المجال الحدودي، بما يتماشى مع متطلبات الشراكة مع الجزائر، وفي الوقت ذاته الاستجابة للإكراهات الداخلية.

غير أن الرهان لا يقتصر على تعزيز التعاون العسكري أو تكثيف الدوريات الحدودية، بل يتجاوز ذلك إلى القدرة على بلورة مقاربة شاملة تُزاوج بين متطلبات الأمن ومقتضيات التنمية. فالمجالات الحدودية لا يمكن تثبيتها واستقرارها على المدى الطويل عبر الحضور الأمني وحده، بل تحتاج كذلك إلى سياسات إدماج اقتصادي واجتماعي من شأنها تقليص جاذبية الأنشطة غير المنظمة.

وفي هذا الإطار، قد يشكل توسيع مجالات التعاون ليشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، واستخدام تقنيات المراقبة الحديثة، وتنسيق السياسات المتعلقة بالتنقيب الأهلي والأنشطة الاقتصادية العابرة للحدود، خطوة نوعية نحو إرساء نموذج أكثر نجاعة في إدارة الحدود المشتركة.

في المحصلة، تندرج زيارة الوفد الموريتاني إلى الجزائر ضمن مسار أوسع يعكس إدراكًا متزايدًا بأن التحديات الراهنة تتجاوز الحدود الوطنية الضيقة. فقد أصبحت معادلة الأمن في الفضاء الساحلي معقدة ومتشابكة، وتفرض بالضرورة استجابات منسقة ورؤى بعيدة المدى.

وبين ضرورات السيادة ومتطلبات التعاون، ستظل قدرة موريتانيا والجزائر على تحويل هذا التقارب إلى شراكة استراتيجية متماسكة عاملًا حاسمًا في رسم توازنات المرحلة المقبلة.

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى