بمناسبة اليوم العالمي “لمتلازمة داون”: الفئة المضطهدة إلى متى؟

طبقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 66/149 دجمبر 2011، تم اعتماد يوم 21 مارس من كل سنة، كيوم عالمي لمتلازمة: “التثلث الصبغي” أو “متلازمة داون Down syndrome”، أو التريزوميا، Trisomie، أو الأطفال المنغوليين، وهو عبارة عن: اضطراب جيني يتسبب في زيادة لكروموزومات من 46 لتصبح 47 كروموزوما، وأحيانا الكروموزوم رقم 14 و18. ويشكل عدد المصابين بمتلازمة داون 21 نسبة 95% من مجموع المتلازمة، التي تحدث بنسبة 1 في 1000 إلى 1 في 800 من الولادات، وتزيد احتمالية اصابة أطفال متلازمة داون بعدة أمراض كالعيوب الخَلْقية في القلب، وأمراض الغدة الدرقية، وارتجاع المريئ والتهاب الأذن… إلخ، كما يتميز هؤلاء الأطفال بشكل ومظهر متميز، يجعل التعرف عليهم أمرا سهلا، مثل: صغر في الذقن؛ شكل شق العين؛ ضعف في العضلات؛ تسطح في جسر الأنف؛ بروز اللسان؛ قِصَر في الرقبة.
ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أنه تم التجاهل التام لهذه الفئة من المعاقين في التعداد العام الخامس للسكان والمساكن 2024، بينما تم ذكر بعض الفئات الأخرى المعاقة بالإسم، وعليه فلن نتوقع الحصول على أي إحصاء ذي طابع رسمي يتعلق بهذه الفئة قبل سنة 2034 !
ومن مظاهر تهميش هذه الفئة، من المعاقين، أيضا، أن وزارة العمل الاجتماعي والطفولة والأسرة، بصفتها الجهة الوصية على هذه الفئة من المعاقين، مازالت تتجاهل تخليد هذه المناسبة الدولية، رغم مطالبة عدة منظمات فاعلة ميدانيا، مثل: “جمعية أنا ومتلازمة داون”، و”الجمعية الموريتانية لأصحاب الهمم”، و”منظمة أهالي الأشخاص المصابين بمتلازمة داون OPPAT، بتخليد هذا اليوم العالمي برعاية الجهات الرسمية، على غرار بقية الأعياد الدولية، مما جعل هذه المنظمات مضطرة للقيام بهذا التخليد على مستواها الخاص وبوسائلها وإمكانياتها المحدودة، بل إن السلطات المعنية، خاصة إدارة “مركز التكوين والترقية الاجتماعية للأطفال ذوي الإعاقة” تنحاز لبعض هذه المنظمات لأسباب مشبوهة، فتسخر لها المباني العمومية، وتمنحها الوصاية على فروع هذا المركز، دون أن تكون لها أية صفة رسمية تخولها ذلك، بدلا من أن تكون هناك رابطات منتخبة من طرف الآباء والأمهات، كما تنص على ذلك القوانين الداخلية للمؤسسات التعليمية، وأكبر دليل على ذلك هو تولى إحدى النساء إدارة المجموعة الواتسابية التي أنشأها هذا المركز، كحلقة وصل بينه وبين وكلاء الأطفال، دون أن تكون، لهذه السيدة، أية صفة سوى القرابة التي تربطها بمدير هذا المركز.
إن أهم ما يمكن أن تقدمه الدولة لهذه الفئة من الأطفال المعاقين هو الرعاية الصحية، خاصة أن هؤلاء الأطفال يولدون، أحيانا بأمراض خَلقية، تبعا لمستوى الاضطراب الجيني الذي يختلف من طفل لآخر، مسببا إعاقة ذهنية وتأخرا في النمو مدى الحياة، وصعوبات في التعلم لدى المصابين به، وتزيد احتمالية اصابة أطفال متلازمة داون بعدة أمراض كالعيوب الخَلْقية في القلب، وأمراض الغدة الدرقية، وارتجاع المريئ والتهاب الأذن، ومشاكل الأسنان، حيث يحتاجون لعملية تخدير جزئية أو كلية، حسب كل حالة.
وإذا كان العالم يتعرف على هذه المتلازمة في فترة الحمل، للتعامل معها مبكرا، ولو عبر التهيئة النفسية للأسرة، بينما في بلادنا لا يوجد تحليل الخريطة الجينية Caryotype الذي يثبت الإصابة بهذه المتلازمة ويحدد درجتها، لذا يبقى الاعتماد على العلامات والمظاهر الخارجية، دون الجزم، ودون تحديد أي نوع من هذه المتلازمة، كما تفتقد بلادنا إلى أخصائيين في هذه المتلازمة، حيث يتم التعامل معها من طرف أطباء عامين أو أطباء أطفال عاديين، بينما يجب أخذ حالتهم في الاعتبار، كما أنهم يحتاجون لرعاية مضاعفة، علما أن غالبيتهم لا يمتلكون تأمينا صحيا، على غرار غالبية الأشخاص المعاقين، وحتى مع وجود تأمين صحي لبعض هؤلاء الأطفال فإنه لا يشمل، مثلا: تحليل Caryotype، أو إعادة التأهيل الحركي Rééducation، وحصص الترويض Kinésithérapie، وهي أمور يحتاجها أحيانا أطفال متلازمة داون.
الرعاية التربوية، هي الأخرى لا تقل أهمية عن الرعاية الصحية، فأطفال هذه المتلازمة يحتاجون تأهيلا مكثفا، وتعليما متخصصا، لدمجهم في المجتمع، وهنا سنتحدث عن نموذجين من مراكز التأهيل: المراكز التأهيلية النموذجية Pilote، التي تعتمد المعايير الدولية والعالمية للتأهيل والتعليم المتخصص، ويمثل هذا النوع: “مركز الشيخ زايد لأطفال التوحد” الموجود في تفرغ زينه والذي يقوم عليه طاقم أجنبي أكاديمي، كما يتوفر على كل اللوازم والوسائل البيداغوجية، إضافة إلى مبنى تم تصميمه على أساس المعايير التربوية لمؤسسة تعليمية، وتتولى منظمة أهلية وطنية تديرها السيد الأولى الدكتورة مريم فاضل الداه، بدعم من دولة الإمارات، ولكن هذا المركز خاص بأطفال التوحد، دون غيرهم، كما أن مصاريف التسجيل السنوي فيه تصل إلى مبلغ: 1.000.000 أوقية قديمة، وهذا ما جعله حكرا على فئة ميسورة من المجتمع دون غيرهم.
النموذج الثاني من مراكز التعليم المتخصص يمثلها: مركز التكوين والترقية الاجتماعية للأطفال ذوي الإعاقة CFPSESH، وهو تحت وصاية وزارة العمل الاجتماعي والطفولة والأسرة، ورغم مرور أكثر من عقد من الزمن على إنشاء هذا المركز، وباعتماد مالي سنوي بلغ هذه السنة: 422.189.860 أوقية قديمة، بالإضافة إلى مبلغ 166.055.580 أوقية قديمة كدعم لهذا المركز من طرف مندوبية تآزر، بالاضافة إلى 4 باصات جديدة، رغم كل هذا فإنه مازال مشروعا لم يتجسد على أرض الواقع، فهو لا يمتلك منشآت أو بنى تحتية مصممة ومناسبة للعملية التربوية.
ولا يمتلك برنامجا أو مقررا تربويا خاصا به، وهو فقير جدا في الوسائل والأدوات البيداغوجية، ناهيك عن الاكتظاظ الكبير (مثلا: وحدة متلازمة داون، حوالي 130 تلميذا) الأمر الذي تسبب في تقليص أيام الدراسة من 5 أيام أسبوعيا إلى يومين أسبوعيا فقط، كما تسبب التباعد الجغرافي لوحدات المركز (وحدة المكفوفين في تفرغ زينه، وحدة الصم في ملح وفي تيارت، وحدة التوحد، في ملح ولكصر، وحدة الاعاقة الذهنية في عرفات …الخ) إلى ضرورة توفير وسائل نقل كافية كما وكيفا، لنقل هؤلاء التلاميذ، وهو أمر لم يستطع هذا المركز توفيره، مما أدى إلى اكتظاظ كبير داخل باصات النقل، وصل أحيانا إلى 30 طفلا في الباص الواحد المخصص أصلا لـ 15 شخصا، كما عزف البعض الآخر عن الولوج لهذا المركز، بسبب هذه المشكلة، بحيث يصل تغيب الأطفال أحيانا نسبة 50% نتيجة لانعدام وسائل النقل، كما أن تغييب أهالي هؤلاء الأطفال من العملية التربوية وعدم تكوينهم على التعامل الأفضل مع أطفالهم، قلل هو الآخر من استفادة هؤلاء الأطفال من العملية التربوية برمتها.
وللتغطية على هذا الفشل الذريع في توفير تعليم وتأهيل مناسب للأطفال المعاقين، تقوم إدارة هذا المركز ببعض التمثيليات المسرحية، مثل اقتناء مخبزة لصالح وحدة التكوين المهني للمركز، لتدريب التلاميذ على صناعة الحلويات، وتم تدشين هذه المخبزة من طرف السيدة الوزيرة، ورغم ذلك فإنها بقيت ديكورا في هذا المركز دون أن تخبز خبزة واحدة ؟؟؟ وللتغطية على هذه الاخفاقات يتم توزيع بعض مبلغ 600 أوقية شهريا لكل تلميذ كمنحة، كما يتم، من فترة لأخرى توزيع بعض الأسماك المجمدة والمبالغ النقدية للتغطية على فشل هذا المركز في القيام بالمهمة النبيلة الموكلة إليه.
ويكفينا أن نعرف أن مركز التكوين والترقية الاجتماعية للأطفال ذوي الإعاقة لم يستطع، حتى الآن، ورغم مرور 12 سنة على إنشائه، تخريج دفعة واحدة من الأطفال المعاقين قادرين على الاندماج في المجتمع، ومسلحين بمهارات تمكنهم من الولوج إلى سوق العمل، فيعود خريجوه إلى منازل ذويهم، كما كانوا قبل ولوج هذا المركز، فأي ترقية وتكوين هذا الذي تنفق عليه مئات الملايين سنويا ؟ ثم كيف “لمركز الشيخ زايد لأطفال التوحد”، وهو مركز أهلي تابع لمنظمة غير حكومية أن يكون مركزا نموذجيا، بينما يعجز مركز عمومي ممول من الميزانية العمومية أن لا يتوفر على أبسط مقومات مركز لتأهيل الأطفال المعاقين ؟ أم أن أطفال متلازمة داون لا يستحقون ما يستحقه أطفال التوحد ؟
محمد عبد القادر محمد سالم
أب لطفل من متلازمة داون







