مقالات وآراء

المظاهرات بين الحق المشروع والخوف من الفوضى

احمد ولد الدوة

في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتقلبة، يعود الجدل مجددًا حول المظاهرات: هل هي حق مشروع ينبغي حمايته، أم مصدر محتمل للفوضى يجب الحذر منه؟ هذا السؤال يطرح نفسه بإلحاح كلما ارتفعت أصوات المواطنين مطالبة بتحسين ظروفهم المعيشية، أو معبرة عن رفضها لسياسات تمس حياتهم اليومية.
لا خلاف على أن الفوضى مرفوضة، وأن المظاهرات غير السلمية تمثل خطرًا حقيقيًا على الأمن والاستقرار. كما أن الخروج عن الأطر القانونية، أو الانزلاق نحو العنف والتخريب، لا يخدم القضايا العادلة بل يضر بها، ويمنح المبرر لتقييد الحريات بدل توسيعها. لكن في المقابل، فإن التضييق على المواطنين ومنعهم من التعبير السلمي عن آرائهم لا يقل خطورة، إذ يراكم الاحتقان ويدفعه نحو مسارات غير متوقعة.
إن التوازن بين حفظ النظام العام وضمان حرية التعبير هو جوهر الدولة الحديثة. فالدستور لا يكفل الحقوق عبثًا، بل يجعل من حرية الرأي والتظاهر السلمي أدوات مشروعة لتصحيح المسار، وتنبيه صناع القرار إلى مكامن الخلل. ومن هذا المنطلق، فإن السماح بتنظيم مظاهرات سلمية مرخصة، خاصة في الظروف الاستثنائية، ليس ضعفًا من الدولة بل دليل ثقة في المجتمع ونضجه.
بل إن الدولة قد تكون المستفيد الأول من هذه المظاهرات. فإذا جاءت محدودة من حيث العدد والتأثير، فإن ذلك يعكس أن حجم التذمر ليس واسعًا، أو أن الإجراءات المتخذة قد خففت من حدة الأزمة. أما إذا كانت المشاركة واسعة وكثيفة، فذلك يمثل رسالة واضحة بضرورة مراجعة السياسات واتخاذ إجراءات إضافية تستجيب لتطلعات المواطنين ضمن الإمكانيات المتاحة.
في المقابل، تبرز إشكالية الخطاب الذي يسعى إلى تشويه مطالب المواطنين، من خلال التقليل من شأنها أو اتهام أصحابها بخدمة أجندات لا تمت لواقعهم بصلة. هذا الخطاب لا يسهم في التهدئة، بل يزيد من فجوة الثقة بين المجتمع والسلطة، ويهدد السلم الاجتماعي بدل أن يحميه.
إن المواطن حين يشتكي من ارتفاع الأسعار أو تدهور الخدمات، فإنه لا يمارس ترفًا سياسيًا، بل يعبر عن حق أصيل مرتبط بكرامته واحتياجاته الأساسية. ومن هنا، فإن الاستماع إلى هذه الأصوات، وفتح قنوات التعبير أمامها، يظل الخيار الأكثر حكمة مقارنة بمحاولات إسكاتها أو تجاهلها.
في النهاية، تبقى القاعدة بسيطة وواضحة: دولة تُطعم شعبها، وتعلمه، وتؤمنه، هي دولة تحظى بولائه وثقته. أما حين تضيق مساحات التعبير، فإن الاحتقان يبحث عن منافذ أخرى قد لا تكون دائمًا آمنة أو سلمية.
وبين الحق في التظاهر والخوف من الفوضى، يبقى الحل في ترسيخ ثقافة الاحتجاج السلمي، وتعزيز دولة القانون، حيث تُحترم الحريات وتُصان في إطار من النظام والمسؤولية المشتركة.

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى