السيد علي خامنئي: رحلة المرشد الأعلى في إيران من معارضة الشاه إلى خلافة الخميني

بي بي سي + التواصل-أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر صفحته على تروث اغتيال المرشد الأعلى في إيران، آية الله السيد علي خامنئي، وهو ما أعلنه الإرهابي نتنياهو قبل ذلك، فيما لم تؤكد طهران ذلك، وذكرت وكالة تسنيم وبعض وسائل الإعلام الأخرى أنه بخير وتم نقله إلى مكان آمن ويقود العمل العسكري من غرفة العمليات.
وكان السيد علي خامنئي قد استخلف علي لاريجاني في حال اغتياله في هذه الحرب. فمن هو السيد علي خامنئي؟
تُجسّد حياة المرشد الأعلى في إيران، آية الله علي خامنئي، التغيّرات الكبرى في بلاده ومنطقة الشرق الأوسط على مدار عشرات السنين.
فالرحلة التي بدأها خامنئي كرجل دين معارض، وصولاً إلى التربّع على رأس النظام السياسي في إيران، مرّت بتقلبات وقرارات أثارت انقسامات وجدلاً، ليس داخل البلاد فحسب، بل خارجها أيضاً.
من المنفى إلى “آية الله”، ماذا نعرف عن مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران؟
40-عاماً على عودة آية الله الخميني إلى إيران من المنفى
خامنئي هو ثاني مرشد أعلى لإيران منذ الثورة الإيرانية عام 1979، وقد تولّى المنصب منذ عام 1989. ولم يعرف الشباب الإيراني الحياة في البلاد تحت قيادة شخص آخر غيره.
كما توسط خامنئي شبكة معقدة من مراكز القوة المتنافسة، وشملت سلطاته استخدام حق النقض (الفيتو) ضد أي سياسة عامة، واختيار المرشحين للمناصب العامة.
وبصفته رئيس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة، بما في ذلك الحرس الثوري الإيراني، فإن منصبه منحه سلطة شبه مطلقة.
النشأة ومعارضة الشاه
وُلد خامنئي في مدينة مشهد، ثاني أكبر مدن إيران، عام 1939. وهو الثاني بين ثمانية أولاد.
العنصر الديني كان حاضراً بقوة في نشأة خامنئي، فوالده كان رجل دين، كذلك فإن مدينة مشهد تحظى بأهمية كبيرة لدى المسلمين الشيعة، إذ تضم ضريح الإمام علي بن موسى الرضا، الإمام الثامن لدى الشيعة الاثني عشرية.
وتلقّى خامنئي تعليماً دينياً تقليدياً سواء في إيران أو العراق، بجانب دروس اللغة العربية التي كانت تتقنها أمه، التي وُلدت في مدينة النجف العراقية.
وعكست فترة شباب خامنئي التغيرات التي شهدتها إيران في النصف الثاني من القرن العشرين في ظل حكم الشاه رمحمد ضا بهلوي، إذ اتّبع الشاه سياسات موالية للغرب، ما خلق حالة من العداء مع قطاعات من الشعب الإيراني، سواء كانت محافظة دينية أو علمانية ثورية.
كان خامنئي خطيباً مؤثراً، وانضمّ إلى صفوف المعارضين لشاه إيران، ما أدى إلى اعتقاله ست مرات وتعرّضه للتعذيب والنفي الداخلي.
ومنذ ستينيات القرن الماضي، أظهر خامنئي إعجاباً بالخطاب السياسي لآية الله الخميني، الذي تم نفيه خارج إيران عام 1964.
وبحسب المذكرات التي أملاها خامنئي باللغة العربية والصادرة بعنوان “إن مع الصبر نصراً”، فإنه اهتم خلال فترة سجنه بترجمة كتب عربية إلى الفارسية، لعدد من الكتّاب، لعلّ من أبرزهم الكاتب الإسلامي المصري سيد قطب، الذي أُعدم خلال حكم الرئيس المصري جمال عبد الناصر عام 1966.
يستحق الانتباه نهاية
في عام 1979، انتصرت الثورة الإيرانية، فغادر الشاه البلاد للمرة الأخيرة، وعاد الخميني من منفاه ليباشر تنفيذ أفكاره الخاصة بتأسيس نظام حكم إسلامي، ويتولّى منصب المرشد الأعلى للثورة.
وفي ظلّ تلك التغيرات الكبرى، تحوّل خامنئي من معارض إلى مسؤول بارز، إذ أصبح عضواً في المجلس الثوري الحاكم.
والأهم من ذلك أن الخميني كلّفه في عام 1980 بإمامة صلاة الجمعة في طهران، وكان ذلك التكليف إشارة إلى أن مستقبلاً مهماً ينتظر خامنئي.
في عام 1981، نجا خامنئي من محاولة اغتيال، لكنه أُصيب بجروح خطيرة في وجهه وصدره ويده اليمنى، في فترة شهدت خلالها إيران الكثير من التوتر بسبب الخلافات بين الإسلاميين وحلفائهم السابقين من اليساريين.
وفي وقت لاحق من العام ذاته، وعقب اغتيال الرئيس محمد علي رجائي، انتُخب خامنئي رئيساً للجمهورية، ليكون أول رجل دين يتولى مهام المنصب.
أظهر خامنئي، إبان فترة رئاسته، توجهاته المحافظة والمتشددة، ودرج على مهاجمة دول الغرب، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في خطبه النارية، واصفاً إياها بالفساد والانحطاط.
كما هيمنت الحرب العراقية الإيرانية على فترتي رئاسته، فالحرب التي حصدت أرواح مئات الآلاف من الجانبين، استمرّت لمدة 8 سنوات، قبل أن يوافق الخميني عام 1988 على اتفاق لوقف إطلاق النار.
المرشد الأعلى
عندما توفي آية الله الخميني في يونيو/حزيران 1989، وقع الاختيار على خامنئي، الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 49 عاماً، لخلافته كمرشد أعلى، رغم أن مؤهلاته كمرجع ديني لم تكن بالمستوى المطلوب، إذ مُنح لقب “آية الله العظمى” بعد أن تولّى المنصب.
وخلال تسعينيات القرن الماضي، شهدت إيران صراعاً داخلياً بين الإصلاحيين والمحافظين، خاصة مع انتخاب الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي عام 1997، في حين كان خامنئي يدافع عن الخطاب المحافظ المناوئ للغرب.
توجهات خامنئي المحافظة قرّبته من خليفة خاتمي، محمود أحمدي نجاد، صاحب المواقف المتشدّدة.
وكان أحمدي نجاد قد وصف، ذات مرة، علاقته بخامنئي بأنها أشبه بعلاقة الابن بوالده، رغم بروز خلافات بينهما بين الفينة والأخرى.
في أغسطس/آب 2005، ووسط جدل دولي حول نوايا إيران بخصوص الأسلحة النووية، أصدر خامنئي فتوى حرّم فيها إنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة النووية.
ولكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أصدرت في عام 2007 تقريراً قالت فيه إن إيران ما زالت تُنتج اليورانيوم المخصّب، الذي يمكن أن يُستخدم في إنتاج الأسلحة النووية.
في غضون ذلك، ورغم الموقف المحافظ الذي كان يتبناه خامنئي ونجاد، تواصل الضغط من أجل الإصلاح.
وأظهر انتخاب الرئيس السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني لعضوية مجلس الخبراء الواسع النفوذ، وجود معارضة متواصلة للسياسات المتشددة.
وفي يونيو/حزيران 2009، كان خامنئي على موعد مع تحدٍّ جديد عندما ساند ترشّح نجاد لفترة رئاسية ثانية.
شابت تلك الانتخابات اتهامات بالتزوير، مما دفع أعداداً من الإيرانيين، معظمهم من الشباب، إلى الخروج إلى الشوارع، في أكبر تحدٍ لسلطة الحكومة منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية.
وقمعت قوات الأمن الكثير من المظاهرات بشراسة، ولكن حتى بعض المحافظين من داخل الحكومة بدأوا بانتقاد المرشد الأعلى.
وعادت موجة الاحتجاجات لتطارد حكم خامنئي مرة أخرى بعد أكثر من 10 سنوات، إثر وفاة الشابة مهسا أميني بعد احتجازها على يد شرطة الأخلاق، بزعم عدم التزامها بالضوابط التي تحكم ملابس النساء في إيران.
وجاء الهجوم الذي شنّته حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، وما أعقبه من حرب إسرائيلية في غزة، ليشكّلا تحدياً جديداً أمام طهران وخامنئي، إذ انخرطت إيران وحلفاؤها في سلسلة من المواجهات ضد إسرائيل.
كان خامنئي، بلا شك، شخصية مثيرة للجدل داخل إيران وخارجها، إذ أدى التزامه بخط سلفه الخميني إلى تعزيز قاعدته الشعبية داخل الدوائر المحافظة والمتدينة في البلاد.
في المقابل، ظلّ خامنئي رمزاً لما يراه معارضو الحكم الديني في إيران “حكماً قمعياً”.
أسرة خامنئي ونفوذها
نادراً ما يسافر علي خامنئي إلى الخارج، ويقال إنه يعيش حياة متواضعة في مجمع وسط طهران مع زوجته. ويعرف عنه حبّه للبستنة والشعر، ويقال إنه كان يدخّن في شبابه، وهو أمر غير مألوف لرجل دين في إيران. وقد فقد القدرة على استخدام ذراعه اليمنى بعد محاولة اغتيال في الثمانينيات.
له من زوجته منصورة خجسته باقرزاده ستة أبناء: أربعة ذكور وابنتان.
نادراً ما ظهرت عائلة خامنئي في الإعلام، والمعلومات الموثوقة عن حياتهم الخاصة قليلة.







