مقالات وآراء

الانسحاب بشرف لا البقاء بتواطؤ: قراءة في موقف الشيخ بكاي

ليس انسحاب الشيخ بكاي من حزب “جمع” حدثًا عابرًا أو ردّة فعل انفعالية، بل هو موقف سياسي وأخلاقي محسوب، ينسجم تمامًا مع مسيرته النضالية الطويلة، ومع ما عُرف عنه من وضوح في الرؤية وصرامة في الالتزام بالمبدأ.
فالشيخ بكاي ليس من طينة أولئك الذين يتخذون السياسة سلّمًا للمكاسب، بل من جيل يرى فيها رسالةً ومسؤولية، ويقيس انتماءه الحزبي بمدى انسجامه مع قناعاته الوطنية والقومية.
لقد جاء هذا الانسحاب في سياق أزمة بنيوية عميقة داخل المشهد الحزبي، وهي الأزمة التي تتجلى اليوم بوضوح في “الزلزال” الذي أصاب حزب “جمع”، بعد انسحاب مجموعة معتبرة من قياداته. وهو ما يؤكد أن الخلل لم يكن فرديًا ولا طارئًا، بل نابعًا من تحوّل الحزب، في نظر كثير من مناضليه، إلى أداة مُسيَّرة ومأمورة، تُدار بمنطق المؤامرة والمتاجرة السياسية، بعيدًا عن المشروع الوطني الجامع الذي رُوّج له في البدايات.
إدراك الشيخ بكاي المبكر لهذا المسار المنحرف هو ما دفعه إلى اتخاذ قرار الانسحاب، رفضًا لأن يكون شاهدَ زور، أو غطاءً سياسيًا لمسار لا يخدم لا الديمقراطية ولا القضايا القومية التي آمن بها وناضل من أجلها. وقد اختار، كعادته، الانسحاب بشرف بدل البقاء بتواطؤ، واضعًا مسافةً واضحة بينه وبين أي ممارسة تسيء إلى العمل الحزبي أو تُفرغه من معناه.
من هنا، فإن انسحاب الشيخ بكاي لا يُفهم كإضعاف لحزب، بقدر ما يُقرأ كإدانة صريحة لأزمة النظام الحزبي برمته، وكشهادة إضافية على أن غياب الحزب الناصري الموحّد ليس أزمة أشخاص، بل نتيجة بيئة سياسية مختلّة تُقصي المشاريع ذات المرجعية الواضحة، وتفتح المجال لأحزاب وظيفية بلا روح ولا برنامج.
وبهذا المعنى، يظل الشيخ بكاي، حتى خارج الأطر الحزبية، رمزًا للنضال القومي الصادق، وصوتًا يذكّر بأن السياسة بلا مبدأ ليست سوى صفقة، وأن الانسحاب أحيانًا يكون أبلغ من البقاء.

سيدي محمد ولد اخليفه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى