مقالات وآراء

إلى الوزير الأول المختار ولد اجاي: تجديد الثقة مسؤولية، والحزم لا يكتمل إلا بالمحاسبة والإنجاز

رسالة مفتوحة إلى الوزير الأول بشأن إصلاح الإدارة وتحسين الخدمات العمومية

🔊استمع إلى الموضوعجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة الموضوع
استمع إلى الموضوع

رسالة مفتوحة إلى الوزير الأول بشأن إصلاح الإدارة وتحسين الخدمات العمومية

أحمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي

معالي الوزير الأول،

أكتب إليكم هذه الرسالة في أعقاب جولتكم الميدانية الأخيرة في قطاعي الصحة والمياه، وما رافقها من معاينة لأوضاع بعض المنشآت والمشاريع، واستماع إلى المواطنين، وإعلان فسخ عقود شركات لم تفِ بالتزاماتها. وهي جولة تكتسب أهمية خاصة لأنها جاءت بعد تجديد رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، الثقة فيكم وتكليفكم مجدداً بتشكيل الحكومة.

لقد حمل هذا التجديد رسالة سياسية واضحة مفادها أن رئيس الجمهورية اختار الاستمرارية في قيادة العمل الحكومي، ومنحكم فرصة جديدة لمواصلة تنفيذ برنامجه. لكنه، في الوقت نفسه، يضع أمامكم مسؤولية أكبر، لأن تجديد الثقة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مكافأة على ما تحقق فحسب، بل تكليفاً جديداً بتحقيق ما ينتظره المواطنون من تحسين في ظروفهم المعيشية وفي أداء المرافق العمومية.

معالي الوزير الأول،

لا شك أنكم تدركون أن منصب الوزير الأول ليس مجرد موقع في هرم السلطة التنفيذية، بل هو مركز تنسيق ومتابعة ومساءلة، تتوقف على فاعليته قدرة الحكومة على تحويل السياسات والقرارات إلى نتائج ملموسة. ومن هذا المنطلق، فإن جولتك الأخيرة تمثل فرصة لتأكيد أن الإدارة لا ينبغي أن تُدار من وراء المكاتب وحدها، وأن التقارير الرسمية، مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تحل محل المعاينة المباشرة والاستماع إلى المواطنين.

ففي قطاع الصحة، لا ينتظر المواطن مجرد تشييد المستشفيات والمراكز الصحية، بل يريد منشآت مجهزة، وأطباء وممرضين متاحين، وأدوية أساسية، وخدمات تحفظ كرامة المريض وتخفف معاناته. وفي قطاع المياه، لا تعنيه الأرقام المتعلقة بالإنتاج والتوسعة بقدر ما يعنيه أن يصل الماء إلى منزله بانتظام، وأن يجد حلاً سريعاً عندما تنقطع الخدمة.

إن نجاح الجولة الميدانية، في تقديري، لن يُقاس بعدد المنشآت التي تمت زيارتها أو التصريحات التي صدرت خلالها، وإنما بما ستُحدثه من تغيير في واقع هذه القطاعات. والمطلوب هو أن تصبح الزيارة نقطة انطلاق لخطة متابعة واضحة، تتضمن الالتزامات والآجال والمسؤوليات، وتتيح التحقق من تنفيذ القرارات بعد مغادرتكم المواقع التي عاينتموها.

معالي الوزير الأول، الحزم مطلوب… لكن المحاسبة هي الاختبار

لقد كان إعلان فسخ عقود بعض الشركات التي تأخرت في تنفيذ التزاماتها خطوة تستحق التوقف عندها، لما تحمله من رسالة مفادها أن المال العام ليس مجالاً للتساهل، وأن المشاريع الموجهة لخدمة المواطنين لا يجوز أن تظل رهينة التأخير دون مساءلة.

لكنني أود أن أضع أمامكم سؤالاً جوهرياً: ماذا بعد فسخ العقود؟

إن إنهاء عقد شركة متعثرة قد يكون ضرورياً، لكنه لا يكفي إذا ظل المشروع معطلاً، أو اضطر المواطن إلى الانتظار سنوات إضافية للحصول على خدمة كان يفترض أن تكون متاحة. فالحزم الحقيقي لا يقتصر على معاقبة المتسبب في التعثر، بل يشمل ضمان استكمال المشروع، وحماية المال العام، وتحديد أسباب الإخفاق، ومنع تكراره.

كما أن المسؤولية لا تقع دائماً على الشركات وحدها. فهناك إدارات تشرف على الصفقات، ومصالح تتابع التنفيذ، ومسؤولون يفترض أن يكتشفوا التأخر قبل أن يتحول إلى أزمة. وإذا أخفقت هذه الجهات في أداء واجباتها، فإن من الإنصاف أن تخضع هي الأخرى للتقييم والمساءلة، كلٌّ بحسب مسؤوليته الفعلية.

ومن هنا، فإنني أرى أن نجاح نهجكم في الحزم يتطلب توسيع دائرة المحاسبة لتشمل جميع حلقات العمل الحكومي، من التخطيط وإبرام العقود إلى الإشراف والتنفيذ والتسلم النهائي للمشاريع.

لا حصانة للمقصرين… مهما كانت مواقعهم

معالي الوزير الأول،

إن أحد أكبر التحديات التي تواجه الدولة الموريتانية ليس دائماً نقص الخطط أو غياب القرارات، بل الفجوة التي تفصل بين ما يُعلن وما يُنفذ. وقد تعود جزء من هذه الفجوة إلى ضعف المتابعة، أو غياب التقييم المنتظم، أو عدم تطبيق الجزاءات عندما يثبت التقصير.

لذلك، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى ترسيخ مبدأ واضح: لا أحد فوق المساءلة، ولا ينبغي أن يكون المنصب الإداري حصانة من المحاسبة.

إن المدير الذي يهمل مؤسسته، والمسؤول الذي يتأخر في تنفيذ برنامج مكلف به دون مبرر مقبول، والموظف الذي يتعمد تعطيل مصالح المواطنين، ينبغي أن يتحمل كل منهم تبعات تقصيره وفق طبيعة مسؤوليته والقوانين المنظمة لعمله. ولا ينبغي أن يحول النفوذ أو العلاقات الشخصية دون تطبيق القواعد نفسها على الجميع.

لكن المحاسبة الجادة لا تعني اتخاذ قرارات ارتجالية أو إقالة المسؤولين لمجرد وقوع خطأ. إنها تتطلب التحقق من الوقائع، وتحديد المسؤوليات، والتمييز بين التقصير الفعلي والظروف الخارجة عن الإرادة، ومنح المعنيين حق توضيح مواقفهم، ثم تطبيق الإجراءات المناسبة وفق القانون.

وحين يثبت استمرار التقصير أو العجز عن أداء الواجبات، رغم توفير الإمكانات والفرص اللازمة للتصحيح، فإن الإعفاء من المسؤولية يصبح خياراً مشروعاً تقتضيه المصلحة العامة. فالمناصب العمومية تكليف لخدمة المواطنين، وليست امتيازات دائمة.

وفي المقابل، فإن المسؤول الذي يحقق نتائج جيدة، ويحترم الآجال، ويحسن استخدام الموارد، ويبتكر حلولاً للمشكلات، يستحق التقدير والتحفيز. فالإدارة الناجحة لا تقوم على العقاب وحده، بل على الجمع بين المحاسبة العادلة ومكافأة الأداء الجيد.

من التعليمات العامة إلى مؤشرات أداء قابلة للقياس

أقترح، معالي الوزير الأول، أن تكون إحدى أولويات حكومتكم إرساء منظومة عملية لتقييم أداء المسؤولين العموميين، تنقل الإدارة من الاكتفاء بالتعليمات والتقارير الإنشائية إلى العمل وفق أهداف محددة ونتائج قابلة للتحقق.

ويمكن أن يبدأ ذلك بإلزام كل وزير بإعداد برنامج عمل سنوي لقطاعه، يتضمن أهدافاً واضحة، وآجالاً للتنفيذ، وميزانية محددة، ومؤشرات لقياس التقدم. ثم تُترجم هذه البرامج إلى التزامات عملية لدى المديرين العامين والمسؤولين عن المؤسسات والمشاريع التابعة لكل قطاع.

ولا ينبغي أن تبقى هذه الالتزامات حبراً على ورق، بل يجب أن تخضع لتقييم دوري، كل ثلاثة أشهر مثلاً، يحدد ما تحقق، وما تأخر، وأسباب التأخر، والإجراءات التصحيحية المطلوبة، والمسؤول عن تنفيذها.

ويمكن اعتماد مؤشرات عملية من قبيل:

  • في إنجاز المشاريع: نسبة الأشغال المنفذة في الآجال المحددة، وحجم التأخر، والفارق بين التكلفة المتوقعة والتكلفة الفعلية.
  • في الخدمات الصحية: جاهزية المنشآت، وتوفر الأدوية والتجهيزات الأساسية، وانتظام الخدمات، والمدة اللازمة لمعالجة شكاوى المرضى.
  • في قطاع المياه: انتظام التوزيع، ونسب التغطية، ومدة الانقطاعات، وسرعة إصلاح الأعطاب.
  • في الإدارة العمومية: آجال معالجة الملفات، ونسبة تنفيذ البرامج، والالتزام بالقواعد المالية والإدارية، ومستوى رضا المستفيدين عن الخدمات.

ومن المهم ألا تتحول هذه المؤشرات إلى أرقام شكلية، أو إلى وسيلة لمكافأة من يحسن إعداد التقارير دون تحسين الواقع. ولهذا ينبغي أن تستند إلى بيانات قابلة للتحقق، وأن تخضع لرقابة مستقلة عن الجهات التي يجري تقييمها، مع نشر حصائل دورية تسمح للرأي العام بمتابعة التقدم.

وبناء على نتائج التقييم، يمكن اعتماد مسار تدريجي يبدأ بالتنبيه والتصحيح عند وجود اختلالات قابلة للمعالجة، وينتهي بالجزاءات الإدارية أو الإعفاء عندما يثبت التقصير المستمر، مع مكافأة المسؤولين الذين يحققون الأهداف المعلنة.

إن اعتماد مثل هذا النظام سيمنح قراراتكم المتعلقة بالحزم أساساً مؤسسياً واضحاً، ويجعل المحاسبة قاعدة ثابتة لا تتوقف على حضور الوزير الأول شخصياً، ولا على جولة ميدانية أو ظرف سياسي معين.

معالي الوزير الأول، لا تجعلوا الإصلاح رهين الزيارات

إن الجولات الميدانية مهمة، لأنها تقرب المسؤول من الواقع وتحد من الاعتماد المطلق على التقارير المكتبية. لكن الدولة لا تستطيع انتظار زيارة الوزير الأول حتى تكتشف أن مشروعاً تأخر أو أن مرفقاً لا يقدم خدماته كما ينبغي.

المطلوب هو بناء إدارة تراقب نفسها باستمرار، وتكشف الاختلالات مبكراً، وتبادر إلى تصحيحها قبل أن تتفاقم. إدارة يعرف فيها كل مسؤول ما هو مطلوب منه، ومتى ينبغي إنجازه، وكيف سيُقيّم أداؤه، وما الذي يترتب على النجاح أو التقصير.

ومن شأن إنشاء لوحة وطنية لمتابعة المشاريع العمومية أن يساعد على تحقيق ذلك، من خلال جمع المعلومات الأساسية عن المشاريع، ونسب الإنجاز، والآجال التعاقدية، والتكاليف، والعراقيل، والإجراءات المتخذة لمعالجتها. ويمكن نشر نسخة مبسطة منها تتيح للمواطنين معرفة وضعية المشاريع التي تمس حياتهم، دون الإخلال بالمعطيات التي يحميها القانون.

كما أقترح أن تُعتمد آلية لمتابعة الشكاوى التي تُسجل خلال الجولات الميدانية، بحيث تُحال كل شكوى إلى الجهة المختصة، ويُحدد أجل للرد عليها، وتُتابع حتى معالجة المشكلة أو توضيح أسباب تعذر ذلك.

وبهذا، تتحول الزيارة من حدث إداري مؤقت إلى جزء من منظومة دائمة للرقابة والتقييم، وتصبح العلاقة بين المسؤول والمواطن أكثر وضوحاً، لأن المواطن لن يكتفي بسماع الوعود، بل سيتمكن من متابعة ما تحقق منها.

الكاريزما السياسية ومسؤولية الإنجاز

لا يمكن الحديث عن المختار ولد اجاي دون التوقف عند حضوره السياسي وأسلوبه المباشر في التواصل، وقدرته على عرض المواقف الحكومية والدفاع عنها. وهي صفات يمكن أن تمنح المسؤول قوة في إدارة النقاش العام، وتساعده على إيصال رسائله إلى الإدارة والرأي العام.

غير أن الكاريزما، مهما كانت لافتة، لا تعوض ضعف النتائج. فالخطاب القوي يفقد أثره عندما تتكرر المشكلات نفسها، والقرار الحاسم يفقد قيمته إذا لم تتبعه إجراءات فقرة عن لاتنفيذية، والجولة الميدانية لا تحقق غايتها إذا عادت المؤسسات بعد انتهائها إلى الممارسات السابقة.

ومن هنا، فإن التحدي الذي يواجهكم ليس إثبات قدرتكم على اتخاذ القرار فحسب، بل جعل هذا القرار بداية لمسار واضح ينتهي بنتيجة يمكن قياسها. وهذا ما سيمنح حضوركم السياسي قيمته العملية، ويجعل الحزم الإداري أداة لتحسين أداء الدولة بدلاً من أن يظل عنواناً في الخطاب الحكومي.

تجديد الثقة فرصة لإثبات أن الدولة قادرة على الإنجاز

معالي الوزير الأول،

إن قرار رئيس الجمهورية تجديد الثقة فيكم يفتح أمامكم فرصة جديدة لمواصلة قيادة العمل الحكومي، لكنه يرفع أيضاً سقف التوقعات. فالمواطنون لا ينتظرون فقط استمرار البرامج والسياسات، بل يتطلعون إلى إدارة أكثر فاعلية، وخدمات أكثر انتظاماً، ومسؤولين يتحملون تبعات قراراتهم ونتائج أعمالهم.

ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى التركيز على عدد من الأولويات العملية: استكمال المشاريع المتعثرة، وتطوير الرقابة على الصفقات العمومية، وتحسين جودة الخدمات الصحية والمائية، وإرساء نظام موضوعي لتقييم المسؤولين، وتطبيق مبدأ المحاسبة على الجميع دون استثناء.

ولا يتطلب هذا المسار بالضرورة إنشاء مؤسسات جديدة في كل مرة، بقدر ما يتطلب تفعيل المؤسسات القائمة، وتحديد الاختصاصات بوضوح، وتوفير البيانات، ومتابعة التنفيذ، وضمان أن تكون القرارات التصحيحية سريعة ومتناسبة مع حجم الخلل.

إن نجاح حكومتكم لن يُقاس بعدد المشاريع التي تُعلن، ولا بعدد المسؤولين الذين تتم إقالتهم، بل بقدرة الدولة على إنجاز المشاريع في آجالها، وتحسين الخدمات، وصيانة المال العام، وبناء إدارة يشعر فيها المواطن بأن حقوقه لا تتوقف على معرفة مسؤول أو الوصول إلى مكتبه.

كلمة أخيرة

معالي الوزير الأول،

إن جولتك الأخيرة في قطاعي الصحة والمياه خطوة يمكن أن تكتسب أهمية حقيقية إذا تحولت إلى بداية لنهج مستمر في المتابعة والمساءلة. وقد أظهرت القرارات المتعلقة بفسخ العقود أن الحزم حاضر في الرسائل الحكومية، لكن التحدي الأكبر يبقى في تعميم هذا الحزم على مختلف مستويات الإدارة، وربطه بمعايير واضحة للأداء والإنجاز.

إنني أعتقد أن أمامكم فرصة لترسيخ نموذج في إدارة العمل الحكومي يقوم على ثلاثة مبادئ متكاملة: وضوح المسؤولية، وقياس الأداء، وعدالة المحاسبة. فكل مسؤول ينبغي أن يعرف ما المطلوب منه، وأن يخضع أداؤه لتقييم موضوعي، وأن يتحمل تبعات التقصير المثبت، كما ينبغي أن يحظى المجتهد بالتقدير والتحفيز.

وإذا نجحتم في ترسيخ هذه المبادئ، فإن أثر ذلك لن يقتصر على قطاعي الصحة والمياه، بل يمكن أن يمتد إلى مختلف مؤسسات الدولة، بما يعزز الثقة في الإدارة ويجعل تنفيذ السياسات العامة أكثر فاعلية.

إن تجديد الثقة في المسؤول قرار سياسي، أما ترسيخ الثقة لدى المواطنين فيحتاج إلى عمل يومي ونتائج ملموسة. والكاريزما قد تفتح أبواب التأثير، والحزم قد يفرض الانضباط، لكن الإنجاز وحده هو الذي يمنح التجربة معناها ويحدد قيمتها.

معالي الوزير الأول، إن الرهان الحقيقي ليس أن تكتشفوا التقصير خلال جولاتكم، بل أن تبنوا إدارة لا تسمح له بأن يستمر؛ وليس أن تعاقبوا المقصر بعد فوات الأوان فحسب، بل أن تجعلوا كل مسؤول مدركاً منذ البداية أن منصبه مسؤولية، وأن أداءه قابل للقياس، وأن المحاسبة تطال الجميع وفق القانون.

وتلك، في تقديري، هي الخطوة التي يمكن أن تجعل من تجديد الثقة فرصة لإحداث تحول ملموس في أداء الدولة، وتمنح المواطنين دليلاً عملياً على أن الإصلاح ليس شعاراً سياسياً، بل التزاماً يومياً بتحسين حياتهم وصون مصالحهم.

أحمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى