مقالات وآراء

إجراءات الأمس… بين ضرورة الإصلاح وخطر القطيعة مع الشارع

بقلم اهمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي

لم تكن القرارات التي أعلنتها الحكومة الموريتانية بالأمس حدثاً عادياً يمكن إدراجه ضمن روتين السياسات العمومية، بل جاءت في لحظة حساسة، داخلياً وخارجياً، لتضع العلاقة بين الدولة والمجتمع أمام اختبار جديد: هل نحن أمام إصلاح تفرضه الضرورة، أم أمام صدمة اجتماعية تفتقر إلى التمهيد والاحتواء؟

في السياق الموريتاني، لا تُقاس القرارات الاقتصادية فقط بمدى انسجامها مع التوازنات المالية، بل كذلك بقدرتها على التعايش مع واقع اجتماعي هش، حيث تشكل القدرة الشرائية المحدودة، واتساع دائرة الهشاشة، عنصرين حاسمين في تقييم أي إجراء. وعليه، فإن رفع الدعم الجزئي عن المحروقات، وإن كان مفهوماً من زاوية حسابات الدولة، فإنه يطرح تساؤلات مشروعة من زاوية المجتمع.

الحكومة، على ما يبدو، تتحرك تحت ضغط معادلة صعبة: موارد محدودة، نفقات متزايدة، وسياق دولي لا يرحم. وفي مثل هذه الظروف، يصبح تقليص الدعم خياراً شبه حتمي، لا ترفاً سياسياً. غير أن الإشكال لا يكمن دائماً في القرار ذاته، بل في توقيته، وفي الطريقة التي يُقدَّم بها، وفي الإجراءات المصاحبة له.

فالمواطن الموريتاني لا يقرأ القرار في ضوء المؤشرات الكلية، بل يلمسه مباشرة في سعر النقل، وفي تكلفة الغذاء، وفي تفاصيل حياته اليومية. ومن هنا، فإن أي إصلاح لا يُترجم سريعاً إلى آليات تخفيف ملموسة، يُخاطر بأن يُفهم كعبء إضافي، لا كخطوة نحو تصحيح المسار.

وفي خضم هذا المشهد المتوتر، برزت دعوات بعض الأحزاب إلى النزول للشارع كأداة للتعبير عن رفض هذه الإجراءات. ورغم أن هذا الخيار يندرج من حيث المبدأ ضمن الحقوق السياسية المشروعة في الأنظمة التعددية، إلا أن توقيته وسياقه يفرضان أكثر من علامة استفهام. فالدعوة إلى الشارع، حين تُفصل عن تقدير دقيق لحساسية الظرف الاقتصادي والاجتماعي، قد تتحول من وسيلة ضغط مشروعة إلى عامل تأزيم إضافي. كما أن توظيف معاناة المواطنين في لحظة ضيق حقيقي، دون تقديم بدائل واقعية أو رؤى قابلة للتنفيذ، يُخاطر بأن يبدو أقرب إلى المزايدة السياسية منه إلى الفعل المسؤول.

وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن دعوة بعض الأحزاب إلى النزول للشارع تجد ما يبررها في سياق شعور متنامٍ بالضغط الاجتماعي وتآكل القدرة الشرائية، وهو ما يمنح هذه الدعوات قدراً من المشروعية السياسية، باعتبارها تعبيراً عن همٍّ حقيقي لدى فئات واسعة من المواطنين. غير أن هذا التفهم لا يلغي، في الوقت ذاته، مشروعية مخاوف الحكومة من انزلاق الأوضاع نحو حالة من التوتر يصعب التحكم في مآلاتها، خاصة في ظرف اقتصادي هش يتسم بقابلية عالية للاهتزاز. فالدولة، وهي تُقدم على قرارات صعبة، تنظر أيضاً إلى هاجس الاستقرار كأولوية لا تقل أهمية عن الإصلاح ذاته.

في هذا التداخل بين منطق الشارع ومنطق الدولة، تتجلى الحاجة إلى التمييز بين معارضة واعية تسعى إلى تقويم السياسات، ومعارضة تعبئة تُغذّي الاحتقان دون أن تفتح أفقاً للحل. فليس كل رفض شعبي تحريضاً، كما أن ليس كل تحفّظ حكومي تضييقاً على الحريات، بل إن التحدي الحقيقي يكمن في إدارة هذا التوتر بما يحفظ التوازن.

الموضوعية، في الحالة الموريتانية، تقتضي الابتعاد عن منطقين متقابلين كلاهما قاصر: منطق التبرير المطلق للسلطة، ومنطق الرفض المطلق لها. فالمطالبة بالتراجع عن رفع الدعم قد تكون مشروعة إذا استندت إلى غياب البدائل الاجتماعية، لكنها تفقد وجاهتها إذا تجاهلت واقع المالية العمومية وإكراهات المرحلة.

السؤال الأهم، إذن، ليس: هل القرار صحيح أم خاطئ؟ بل: هل أُحسن تدبيره؟ هل رافقته سياسات تعويض واضحة؟ هل كان الخطاب الرسمي مقنعاً بما يكفي لبناء حد أدنى من الثقة؟

إن ما تحتاجه موريتانيا اليوم ليس فقط قرارات اقتصادية صائبة، بل هندسة سياسية واجتماعية لهذه القرارات. فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بجرأة القرار فقط، بل بقدرته على الصمود اجتماعياً.

في نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الأعمق أن الأزمات لا تُدار بالأرقام وحدها، ولا بالشعارات وحدها، بل بالتوازن بينهما. وأن الدولة، حين تُقدم على قرارات صعبة، مطالبة بأن تفتح في الوقت ذاته نوافذ للثقة، لأن أخطر ما يمكن أن تخسره في مثل هذه اللحظات ليس المال… بل الناس.

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى