مقالات وآراء

أولويات المرحلة: التعاون في المتفق عليه وتجاوز جراحات الماضي

في أوقات الأزمات تشتدّ أصوات الجدل العقدي والفكري، ويعود النقاش حول قضايا مثل إيران وولاية الفقيه، وكذلك الخلافات التاريخية بين الشيعة والسنة، إلى واجهة السجال العام. غير أن المرحلة التي تمر بها المنطقة اليوم تفرض سؤالًا أكثر إلحاحًا: هل هذا هو الوقت المناسب للانشغال بهذه الخلافات، أم أن الأولى هو ترتيب الأولويات وقراءة الواقع بوعي ومسؤولية؟

تعاني بعض نخبنا اليوم أزمة حقيقية في الوعي الفكري والسياسي، تتجلى في ضعف فهم فقه السياسة وفكر الدولة، وفي العجز عن التمييز بين ما هو خلاف فكري قابل للنقاش، وما هو تحدٍّ استراتيجي يقتضي قدرًا من التماسك أو على الأقل قراءة واقعية لموازين القوى ومآلات الصراعات.
فالعالم لا يُدار بمنطق الجدل النظري وحده، بل بمنطق المصالح والقوى والتحالفات.
من هنا، فإن اللحظة الراهنة ليست لحظة الانشغال بالمناقشات العقدية التي لا تنتهي، بل هي لحظة قراءة واعية للعلاقات الدولية، وفهم دقيق للصراعات الجارية، وما يمكن أن تؤول إليه من نتائج وتوازنات جديدة في المنطقة والعالم.

فالسياسة في جوهرها فنّ إدارة المصالح وتقدير المآلات، وليست ساحة لتصفية الخلافات التاريخية أو استدعاء جراح الماضي.

ولا يعني ذلك تذويب الاختلافات الفكرية أو تجاهلها، فهذه الخلافات جزء من واقع الأمة وتاريخها، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى عائق دائم يمنع التعاون في القضايا المشتركة. فالأمم الحية قادرة على التمييز بين ميادين الخلاف وميادين العمل المشترك، وعلى بناء مساحات للتعاون حيثما وجدت المصالح المشتركة.
وفي خضم هذا السجال، تغيب أحيانًا حقيقة بسيطة: إن الولايات الامريكية ليست مشهورة باتباع السنة كما أن الكيان الصهيوني ليس معروفًا بحب الصحابة.

وهي مفارقة تختصر جانبًا من الخلل في بعض نقاشاتنا، حين ينشغل البعض بتضخيم الخلافات البينية بينما يتجاهلون طبيعة الصراعات الكبرى التي تعيد تشكيل المنطقة.

إن أولويات المرحلة تقتضي قدرًا أعلى من الحكمة والوعي؛ وعيًا يضع مصلحة الأمة واستقرارها في المقدمة، ويشجع على التعاون في المتفق عليه، ويؤجل الصراعات الفكرية إلى ساحاتها الطبيعية.

فالأمة التي لا تحسن ترتيب أولوياتها، ولا تتجاوز جراح ماضيها، تجد نفسها عاجزة عن مواجهة تحديات حاضرها وصناعة مستقبلها.

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى